Averroises

نحن نعيش في زمن غيب فيه العقل وهمش والحل الوحيد للخروج من هذة المعضلة هو التحرر مما هو ميت او متخشب في كياننا العقلي وإرثنا الثقافي لنفسح المجال للحياة كي تستأنف فينا دورتها وتعيد فينا زرعها ... ولعلها تفعل ذلك قريباً

الاسم:
الموقع: United States

يقول الفيلسوف والروائي الروسي "ليو توليستوي"في أحد كتاباته أن "المفكرين الأحرار هم أولئك المستعدون لاستعمال عقولهم بدون حكم مسبق، وبدون خوف، لفهم الأِشياء التي تتعارض مع أعرافهم وامتيازاتهم، وما يؤمنون به، فطريقة تفكير كهذه ليست شائعة، ولكنها متطلب أساسي للتفكير الصحيح، وعندما يفقد هذا "التفكير الصحيح"، فأنّ الحديث جدير به أن يصبح أسوء من عقيم و عديم الفائدة."

الاثنين، أبريل 17، 2006

ابن رشد ومشروع التغيير


ابن رشد ومشروع التغيير
http://www.wajhat.com/details.asp?id=16434&a=1&journal=11/29/2005
ابن رشد ومشروع التغيير
الحديث عن ابن رشد (520-595 هـ/1198م) وإنجازاته في العقيدة والشريعة والفلسفة والطب·· الخ، لا يمكن أن يستوعبه مقال، ولذلك سنركز هنا على جانب لم يتم إبرازه من قبل في سيرة هذا الرجل الفكرية، وهو أن فيلسوف قرطبة كان صاحب مشروع للتغيير، مشروع يهدف إعادة تأصيل الأصول في كل مجال من مجالات الثقافة العربية الإسلامية: في العقيدة، والشريعة، والفلسفة، والطب، والعلم، واللغة، والسياسة· - ففي مجال العقيدة أكد بعبارات صريحة أن هدفه من التأليف فيها (خصوصا كتبه الثلاثة: ''الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة''، و''فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال''، و''تهافت التهافت'') كان، كما عبر هو نفسه: ''تصحيح عقائد شريعتنا مما داخلها من التغيير'' والرجوع بهـا إلى ''الظاهر من العقائد التي قصد الشرع حمل الجمهور عليها''· أما في مجال الفقه فقد دشن عمله فيه بكتابه ''الضروري في أصول الفقه'' الذي افتتحه بتوجيه نقد قوي لفقهاء عصره الذين قال عنهم: ''وظاهر من أمرهم أن مرتبتهم مرتبة العوام وأنهم مقلدون''· من أجل ذلك قرر تصحيح الوضع بفتح باب الاجتهاد وبيان أسباب الخلاف بين أئمة الفقه، فكان ذلك موضوع كتابه ''بداية المجتهد ونهاية المقتصد''، ''الذي لم يعمل مثله'' حسب عبارة القدماء· وقد عرض فيه الفقه الإسلامي عرضا نقدياً يقوم على مقارنة المذاهب الفقهية الأربعة وبيان وجوه الاختلاف بينها ودواعيه، وترجيح ما اعتبره أقرب إلى مقاصد الشرع·- وأما في المجال الفلسفي فقد أعلن فيلسوف قرطبة بكل صراحة في أول كتاب له في الفلسفة، أن غرضه هو استخلاص الآراء العلمية التي يقتضيها مذهب أرسطو وحذف الأقاويل الجدلية منها، مبيناً أنه إنما اعتمد مؤلفات أرسطو دون غيرها من كتب القدماء (اليونان) لكونها ''أشدها إقناعا وأثبتها حجة''· وهكذا جاءت شروحه على أرسطو غنية تتجاوز مجرد الشرح إلى طرح آراء اجتهادية لم تنقل عن أرسطو وإنما استخلصها من خط تفكيره، حجته في ذلك أن مذهب أرسطو يقتضي تلك الأفكار· ومن هنا يصح أن يقال عنه إنه لم يكن مجرد شارح لـ''المعلم الأول'' (أرسطو) بل كان مكملا له، بذل كل جهده لسد ثغرات مذهبه!- أما في مجال الطب، الذي ألف فيه ''كتاب الكليات في الطب''، فقد كان هدفه الأساسي منه بناء الطب على العلم، والعلم الطبيعي خاصة، لتكون الممارسة الطبية في الجزئيات منتظمة تحت ''كليات'' علمية وليس على مجرد التخمين والتقليد والتجارب العفوية التي كان يعتمدها أصحاب الوصفات الجاهزة من مؤلفي ''الكنانيش'' (التي تصف الدواء لكل داء) الذين قال عنهم إنهم ''أبعد خلق الله عن هذه الصناعة'' (يستثني بني زهر الذين كانوا يمارسون الطب التطبيقي عن دراية ومعرفة)· أما في مجال العلوم الطبيعية، فقد رافقه منذ بداية مسيرته العلمية مشروع من أعظم المشاريع العلمية، مشروع إصلاح علم الفلك الذي كان يعتمد في عصره على بطليموس ونظامه الكوني· وكان الذي حرك هذه الرغبة في نفسه كون نظريات بطليموس لم تكن على وفاق مع ما تقرره العلوم الطبيعية الأخرى· إن العلم، في نظر ابن رشد واحد، لأن الحقيقة واحدة، فإذا عارضت العلوم بعضها بعضاً ضاعت الحقيقة· كان ابن رشد مهتما بهذا المشروع طوال مسيرته العلمية التي بدأت وهو في السابعة والعشرين من عمره عندما قصد جبال الأطلس بناحية مراكش بالمغرب بهدف إجراء قياسات علمية حول حركة بعض الكواكب· ولكن كثرة أشغاله وتعدد مشاريعه العلمية جعلاه يؤجل الانكباب على إصلاح الفلك مرة بعد مرة إلى أن تقدمت به السن فوجد نفسه عاجزاً عن القيام بالمهمة معبراً عن أمله في أن يأتي من بعده من يتولى ذلك· وتشاء الأقدار أن يتصدى لهذه المهمة من بعده مباشرة تلميذه نور الدين أبو إسحق البطروجي المعروف عند الأوروبيين باسم Petagius (المتوفى سنة 601 هـ)· فقد ألف في الموضوع كتابا صار هو المرجع المعتمد في موضوعه -بأوروبا- إلى أن ظهر ''كوبرنيك'' بنظريته التي أعلنت ميلاد علم الفك الحديث·وأما في مجال إصلاح النحو العربي فقد مكننا العثور في موريتانيا قبل بضع سنين، على كتابه ''الضروري في النحو''، من اكتشاف مشروع مهم غير مسبوق، هو مشروع إعادة بناء النحو العربي بحيث يصبح كما قال: ''أقرب إلى الأمر الصناعي (=الطريقة العلمية) وأسهل تعليما وأشد تحصيلا للمعاني''· والغالب على الظن أن ابن رشد قد سبق ابن مضاء القرطبي (وهما متعاصران) إلى طرح هذا الموضوع، هذا فضلا عن أن كتابه يتجاوز كتاب ''الرد على النحاة'' لابن مضاء الذي اقتصر على الدعوة إلى إلغاء نظرية العامل في النحو، بينما نشر فيلسوف قرطبة صياغة جديدة تماما لبنية النحو العربي اعتمدت الترتيب المنطقي، بحيث يكون منهج التأليف في النحو العربي مساوقا للترتيب الذي هو ''مشترك لجميع الألسنة''، منطلقا من تقسيم الكلام إلى مفرد ومركب، وليس إلى اسم وفعل وحرف، كما كان عليه الحال منذ سيبويه·
بفضل ابن رشد والمدرسة الرشديه، حضارة الغرب بنية بأنامل رشديه في مجال السياسة فقد تمكنّا من خلال الاطلاع على كتابه ''الضروري في السياسة''، المعروف في كتب التراجم بـ''تلخيص السياسة لأفلاطون''، والذي فقد نصه العربي وبقيت منه ترجمة إلى العبرية، (عملنا على إعادتها إلى اللغة العربية وبلغة ابن رشد بالتعاون مع زميل مختص في العبرية)، أقول تمكنا بفضل هذا الكتاب من إبراز أن مشروع ابن رشد للإصلاح السياسي تجاوز نظرية أفلاطون، مبرهناً على إمكانية قيام مدينة ''فاضلة'' من خلال تتابع ''حكومات الأخيار'' في بلد من البلدان، تقيم العدل وتحافظ على الاستقرار وتواصل الإصلاح والتجديد· تلك إذن جوانب تقدم لنا صورة أخرى عن ابن رشد، صورة رجل وعى أعمق الوعي ما آلت إليه الثقافة العربية الإسلامية من جمود وتراجع فقام يعمل ليل نهار من أجل تحقيق انبعاث جديد لهذه الثقافة· لكن واقع الفكر والثقافة في العالم العربي والإسلامي في عهده، كان أبعد ما يكون من تحمل مشروع مثل هذا· لقد كان كتابه ''الضروري في السياسة'' جزءا من هذا المشروع الشامل، الجزء الذي يخص جانب الحكم والسياسة· لقد تعرض فيه بالنقد الشديد لنظام الحكم الاستبدادي مطبقا كلام أفلاطون في هذا الموضوع على نظم الحكم في الإسلام عامة ونظام الحكم في الأندلس، في عصره خاصة، وكان ذاك هو السبب الحقيقي في نكبته: محاكمته وسجنه ومصادرة كتبه وإحراقها·لقد تواطأت السياسة مع التاريخ (السياسة في العالم العربي والتطور التاريخي الذي عرفته أوروبا في ذلك الوقت) على إسكات صوت ابن رشد في العالم العربي والإسلامي لمدة لا تقل عن سبعة قرون، ولم يستأنف الحديث عنه إلا بعد أن بلغت الحضارة الأوروبية الحديثة المرحلة التي صارت فيها حضارة للعالم بأسره· وعندما بدأت هذه الحضارة تقرأ تاريخها اكتشفت ابن رشد كواحد من الأعمدة المركزية التي قامت عليها، لقد وجد المشروع ''الرشدي'' متنفساً له في أوروبا عندما ترجمت كتبه إلى اللاتينية··· ومع أنه ظهر في الحضارة العربية الإسلامية عالمان بعد ابن رشد، كامتداد لروحه النقدية التجديدية، أعني الشاطبي في أصول الفقه، وابن خلدون في النقد التاريخي، فقد كانت الحضارة العربية تتحرك في عصرهما بسرعة نحو الجمود والانحطاط· لقد وعى ابن خلدون بعمق أن الحضارة العربية قد دخلت مرحلة الأفول، وأن العالم بصدد ''خلق جديد ونشأة مستأنفة وعالم محدث''· ولم يكن يجهل موقع الفضاء الجديد الذي سيكون مسرحاً لهذا الخلق الجديد والنشأة المستأنفة والعالم المحدث، بل كان يراه، كان يشاهد رياح التجديد أين تتجه! وبما أنه مؤرخ ينظر إلى التطور كسلسلة متصلة الحلقات فقد فضل أن يتتبع مسار الرياح في الفضاء الحضاري للثقافة العربية منذ هبوبها الأول فكتب يؤرخ لتموجات هذا المسار من خلال تتبع رحلة العلوم العقلية منذ ازدهارها مع اليونان: فذكَّر بانتقالها إلى العالم المسيحي أولاً ثم إلى الإسلام ثانيا ليضيف: ''كذلك بلغنا لهذا العهد أن هذه العلوم الفلسفية ببلاد الإفرنجة من أرض روما، وما إليها من العدوة الشمالية نافقة الأسواق، وأن رسومها هناك متجددة، ومجالس تعليمها متعددة، ودواوينها جامعة متوفرة، وطلبتها متكثرة، والله أعلم بما هنالك وهو يخلق ما شاء ويختار''·

الدكتور محمد عابد الجابري

السبت، ديسمبر 03، 2005

ما بعد السلفيه (جمال البنا)



ما بعد السلفية

http://www.islamiccall.org/AR_salafiyya.htm
الجزء الأول والثاني

ــــــــ الأستاذ جمال البنا ـــــــــ



التعريف التاريخي للسلفية
الخصائص الفكرية المذهبية للسلفية
تنهيج وتصنيف المعرفة الإسلامية وتقسيمها إلى أقسام ثلاثة رئيسية
ملاحظات على منهج الأسلاف
عوامل عديدة – سلبية وإيجابية - توجب إيجابا أن ننهى عهد السلفية
فهم جديد للقرآن وتأصيل جديد للسنّة واستلهام الحكمة
- القرآن
- السنّة
- المكوّنات الجديدة في الفكر الإسلامي
أولاً : الإنسان
ثانياً : الزمان
ثالثاً : الحكمة
________



التعريف التاريخي للسلفية

السلفية كلمة مقدسة عند معظم الدعاة الإسلاميين المعاصرين وعند الدعوات الإسلامية، وهى فى بلاد كالمغرب لها مهابة واحترام تجعل الاقتراب منها محفوفاً بالخطر، وقد كانت هى التعبير الذى اختارته الدعوة الإسلامية فى العصر الحديث للتعبير عن "هويتها". ولم يأت هذا من فراغ، وإنما هو يصور الأغوار الخفية لنفسية هذه الدعوات التى جعلتها تؤثر هذه الصفة وتفضلها على ما سواها مما يكون بالقطع أفضل كأن تكون "قرآنية" أو "محمدية" لأن هذه الدعوات وهى تمثل عالم التقليد أرادت من أعماقها أن ترفع خسيسة هذا التقليد بإضفاء صفة لها تقديرها. لأن الأسلاف كان لهم من الأمجاد ما يؤثر تأثيراً طيباً، فى النفوس..

وليس فى تعبير الأسلاف ما يحدد – على وجه القطع – من هم الأسلاف، ولكن يغلب على الظن أنهم يبدأون بأئمة المذاهب الأربعة – وبوجه خاص بآخر هؤلاء الأئمة وأكثرهم تخصصاً فى الحديث النبوى وهو الإمام أحمد بن حنبل الذى أكسبه موقفه الثابت إزاء فتنة خلق القرآن شهرة شعبية عريضة. واكتسبت السلفية دفعة جديدة من القوة بظهور ابن تيميه فى القرن الثامن وكفاحه فى مقاومة الكثير من البدع والغشاوات والانحرافات التى تعرضت لها مسيرة الفكر الإسلامى، وفى العصر الحديث اكتسبت دفعة أخرى عندما تحالف الشيخ محمد بن عبد الوهاب شيخ نجد مع أميرها الأمير سعود، ونتيجة لهذا التحالف اكتسبت الدعوة الوهابية قوة وبسطت نفوذها على الحجاز، بما فيه الحرمين الشريفين وأصبح لها دولة ترفع رايتها وتنشر مذهبها، وكانت الحجاز عندما بدأت الدعوة الوهابية فقيرة غاية الفقر، فلم يمتد نفوذها إلى ما سواها ولكن هذا الوضع تغير بعد أن اكتشف البترول إذ أصبحت دولة غنية، لا سيما بعد حرب 73 التى رفعت أسعار البترول أضعافا مضاعفة ومكنت "السعودية" من الاستحواز على ثروات طائلة أنفقت جزءاً منها على نشر فكرها، باعتباره الفكر الإسلامى الأصيل – طريق رابطة العالم الإسلامى التى قامت ببناء المساجد فى الدول الأوروبية والأسيوية وتزويدها بالأئمة والخطباء، والوعاظ والكتب مما أدى إلى نشر فكرها، بالإضافة إلى تأثر الأعداد الكبيرة من المصريين والسودانيين الخ... الذين هاجروا إلى السعودية فترة الرواج البترولى للعمل فى مشاريع التوسع بالفكر الوهابى. وهكذا تيقظت السلفية بعد أن هجعت من القرن الثامن الهجرى (أيام ابن تيميه) حتى العصر الحديث..

الخصائص الفكرية المذهبية للسلفية

هذا عن الناحية التاريخية للسلفية، أما عن خصائصها الفكرية المذهبية فيمكن إجمالها فى :

أولاً: الإيمان بالمذاهب الأربعة والالتزام باتباعها تقليداً..

ثانيا: الالتزام بما جاء فى التفاسير المعتمدة لفهم القرآن واستمداد أحكامه ويتبع هذا الالتزام بالنسخ، وأسباب النزول وبقية ما يسمونه علوم القرآن.

ثالثا: الأخذ بالمعايير التى وضعها المحدثون فى مجالات الرواية والدراية وعلل الرجال والجرح والتعديل والإيمان بصحة ما جاء فى الصحيحين على الأقل.

رابعا: الالتزام بسيرة السلف الصالح فى خلائقهم وحياتهم وتقديرهم واعتبارهم مثلاً عليا والأخذ بأحكامهم إن لم يكن على سبيل التشريع فعلى سبيل الأسوة الحسنة.

هذه المبادئ هى ما لا تحيد عنه السلفية حتى أكثرها توسعاً ومرونة، بما فى ذلك الإخوان المسلمون، ولم يستطع مصلح – باستثناء الأفغانى وعبده وإقبال – أن يجاوزها، لأن تجاوزها – فيما ترى – يعنى مخالفة أصل من أصول الدين المقررة والمجمع عليها، وإذا كان هناك تجاوز فى إطارها، فهو أن البعض حاول أن يمط إطارها أو يمنحه قدراً من المرونة، كما فعل الإمام حسن البنا، ولكن آخرون يؤثرون الالتزام بالحدود المقررة حتى لا يقعوا فى الحمى المحرم، فمن جاوره يوشك أن يقع فيه، ولو أجاز أحد لنفسه مجاوزتها ولو فى ناحية واحدة فلن يسلم من المؤاخذة وستوجه إليه الاتهامات القارصة التى تخرجه من مجال الدعوة الإسلامية وتقذف به إلى مهاوى "العلمانية" أو الانحراف الخ...

* * *

تنهيج وتصنيف المعرفة الإسلامية وتقسيمها إلى أقسام ثلاثة رئيسية

ليس ما يهمنا هو الاستعراض التاريخى لظهور وتطور السلفية ولكن ما يهمنا أن نوضح الطبيعة التى أخذتها السلفية والملابسات التى اصطحبت بها وأثرت عليها منذ أن بدأ الأسلاف فى القرن الأول الهجرى فى تنهيج وتصنيف المعرفة الإسلامية وتقسيمها إلى أقسام ثلاثة رئيسية هى الحديث النبوى والقرآن وتفسيره ثم الفقه وأحكامه. أما ما قبل ذلك فى عهد الرسول فإن هذا كله لم يكن موجوداً كان المسلمون عهد الرسول أهل عمل لا أهل جدل. وقد استقام لهم الإيمان لأنهم تعرفوا على جوهره، فلم يعد يعنيهم ما بعد ذلك وكان العنصر الحاكم هو الفطرة السليمة. فلم يقل عمر بن الخطاب لأبى بكر عندما أراد أن يتغلب على تردده فى جمع القرآن سوى "هو والله خير".

وهو ما يمثل منطقهم الذى كان يهديهم، وقد حذرهم الرسول من السوآل ومن قيل وقال ومن التنطع والتشدد وعرفهم أن التقوى فى القلوب والصدق، وأن عليهم أن يستفتوا قلوبهم ولو أفتاهم الناس لأن الإنسان على نفسه بصيرة، وهم أعلم بها ولأن الآثم ما حاك فى الصدر وكرهت أن يطلع عليه الناس والبر هو ما اطمأنت إليه النفس وسكنت إليه.. وبهذه المعايير البسيطة أمضوا حياتهم لا تساورها شكوك ولا ينتابها تطرف ولا يؤثر عليها تعمق أو تشدد. وقد آمنوا العذاب والضلال والرسول بينهم".. ]وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ[ {33 الأنفال}..

ومن ناحية أخرى كان الإسلام يتعرض منذ أيامه الأولى، وفى عهد الرسول نفسه لمكايد عديدة أشار القرآن إليها، وبالطبع فما كان يشير إليها لولا أنها وجدت بالفعل، وكان هذا طبيعيا لأن الإسلام هدم عالم الوثنية التى آمنت بها العرب، وأبرز من بنى إسماعيل رسولاً بحمل كتابا، وهو أمر ما كان اليهود يطيقونه، وقد ثاروا من قبل على المسيح عيسى بن مريم مع أنه منهم عندما ضاق بتعصباتهم، فما كانوا ليسكتوا على هذا النجم الصاعد فى سماء النبوات الذى يحرمهم من احتكارها الذى ادعته لنفسها، وقد حاولت أن تؤثر على الصحابة بمختلف الوسائل فأعطى أحد بنى قريظة صحيفة من التوراة لعمر بن الخطاب ولما أخبر عمر الرسول بذلك غضب غضباً شديداً ينم عن علمه بما كان وراء ذلك.. ولن نعرض هنا لما نصبوه من مكايد عملياً لأننا إنما نشير إلى ما تعرضت له دعوة الإسلام من محاولات أريد بها تشويهها وتغيير صورتها. وقد أشار القرآن إلى الذين قالوا "ألغوا فى هذا القرآن" وفى نظرنا أن هذه الإشارة إنما تؤكد قيام اليهود والمشركين بمحاولات للدس فى القرآن ولما كان نصه منزلاً ومحفوظاً، فقد ادعوا سقوط كلمات أو آيات.. وهى الدعاوى التى نجد الإشارة إليها فى الكتب التى تناولت القرآن مثل "الإتقان" للسيوطى "والبرهان" للزركشى وما نريد أن نؤكده أن هذه المحاولات أخذت شكل دس روايات على ألسنة بعض الصحابة كأبن مسعود وعمر بن الخطاب وعائشة الخ... بوجود آيات لم تدون فى المصحف، أو الإدعاء بنسخ آية.. الخ... وأن هذا دق على المحدثين الذين ما كانوا يسألون عن السند حتى أيام فتنة عثمان عندما سلكت هذه الروايات سبيلها عبر الأفواه وأخذ بها الذين اشتركوا فى عملية التدوين التى حدثت ما بين القرن الثانى والثالث الهجرى فأثبتت فى كتب الأئمة الذين وضعوا المذاهب الأربعة، فضلاً عن عدد كبير من الأحاديث نسبت إلى كبار الصحابة وإلى رواة لا يرقى إليهم الشك وتم هذا كله فى السنوات الأخيرة من عهد عمر بن الخطاب والأولى من عهد عثمان.. بحيث لم تكن الأصول التى بنى عليها الأئمة مذاهبهم من الصفاء والنقاء كما ظنوا وظل هذا حتى بدأ عهد التدوين خلال الفترة من 100- 250 هجرية، وأثبتت المدونات كل هذه المفتريات والأحاديث الموضوعة ذات السند الرفيع المنسوب إلى عائشة وعمر وابن مسعود وعجز عن فرزها واستبعادها دهاقنة الحديث رغم كل ما اتصفوا من نبوغ أو إخلاص أو إلمام الخ... لأن ما جاء فيها من تحريف ما كان يشذ عن روح عصورهم وما سادها من إيمان بمسائل بعضها من صميم الخرافة وليس أدل على هذا من استخذائهم أمام ما ادعوا من أحاديث التواتر التى ساووا ما بينها وبين القرآن. فإن معظم هذه الأحاديث المتواترة هو عن معجزات الرسول أو عن حوضه فى الجنة، أو شق الصدر أو عن المهدى، والدجال والفتن الخ... مما لا يثبت أمام التحقيق العقلى.

وعندما أثبت ابن خلدون ركاكة دعوى المهدى فى الأحاديث المتواترة قالوا إنه مؤرخ وليس بعالم حديث. وإنما يعود فى هذا الفن إلى أهله، وهى الشنشنة التى لا تزال قائمة حتى الآن وبعض عليها سموح الأزهر بالنواجز، وهم ينددون شيوخ "بالكلأ المباح" أى الدين الذى يتحدث عنه من ليس من أهله، وهو لديهم من لم يكن متخرجا من الأزهر..

النتيجة التى نريد أن تنتهى إليها أن الأسلاف بدءا من الأئمة ومن تلاهم أو تتلمذ على أيديهم، قاموا بدور تاريخى ضخم لأنهم قعدوا القواعد، ووضعوا أسس التصنيف للفروع الثلاثة للمعرفة الإسلامية من حديث إلى تفسير إلى فقه، وأن هذا العمل الذى حل مشكلة الثقافة الإسلامية فى مواجهة مجتمع متفتح، متطور، وأنه ظفر بإعجاب الأجيال الذين بنوا على هذا الأساس أدواراً، وطبقات بحيث أصبحت المعرفة الإسلامية بأقسامها الثلاثة قلعة شامخة يكمل كل ضلع منها بقية الأضلاع وقد تضخمت بفعل التواصل الثقافى الذى ظل لأكثر من خمسة قرون، وامتد من سيبريا المتجمدة شمالاً حتى جنوب أفريقيا الحارة، ومن الأندلس غربا حتى الصين شرقا، وجاء بعد القرون الخمسة الأولى قرابة عشرة قرون تقدم إضافات سطحية أو تشرح بعض المراجع عندما أغلق باب الاجتهاد فى القرن الخامس دون أن يحول هذا دون ظهور شخصيات بارزة حتى فى أشد فترات الانحطاط تدهوراً مما ينبئ بقوة الإيمان الكامنة فى ضمير الأئمة، والثقة فى دينهم..

فكان هذا كله فى سر إعجاب المعاصرين – من دعاة ودعوات – بالأثر السلفى، وسر اصطناعهم لتعبير السلفية كهوية لهم..


ملاحظات على منهج الأسلاف

مع هذا كله فهناك ملاحظتان دقّتا على الكثيرين :

الأولى : أنه رغم نبوغ الأئمة وإخلاصهم الخ... فإن التمويه الذى دخل فى الحديث أساساً وما يتضمنه هذا الحديث من تفسير للقرآن أو تحديد للأحكام، جاز على معظمهم.. وأنا لا أفهم مبرراً لكى يأخذ الشافعى بمبدأ النسخ حتى وإن شذ عن أقرانه ومن جاءوا بعده فى استبعاده نسخ السُنة للقرآن – لأننا نعتقد أن حديث النسخ ما عرف فى عهد الرسول. وأن ما يروونه عن أحد الصحابة أن هذه الآية إنما نزلت فيه أو فى غيره أو لهذه المناسبة أو تلك لا يمكن الوثوق بها لا من ناحية نسبتها، ولا لأن يكون لها دلالة حاكمة حتى لو صدقت نسبتها، فلعل هؤلاء لم يستوعبوا أن القرآن هو دستور للعالم، وليس لهذه البقعة المحدودة من جزيرة العرب، ولا لفلان أو فلان من الصحابة. وفى جميع الحالات فلا يمكن الحكم بما يروى عن آحاد الصحابة لعدم القطع بالصحة، لأن أحكامهم لا تكون لها صفة تشريعية، وهذا بالطبع يختلف عما انتهى إليه الفقهاء خاصة المتأخرين منهم من الاحتجاج بكلام الصحابى، بل والتابعى وإن تحوطوا لذلك بتحوطات غير فعالة..

وقد سمح هذا التساهل بأن يكون لهؤلاء الأئمة أحكام ليست لها الصحة المظنونة، وأن تزحف أحكام أخرى من اتباعهم واتباع اتباعهم تكون أبعد عن الصحة وهذا وذاك من أكبر ما يؤخذ على حصيلة الأسلاف..

الملاحظة الثانية : إن هذا التراث الضخم الذى قام على تفاصيل ما أجمله الكتاب فى ضوء الأحاديث والتفسيرات والمرويات وأحكام الفقهاء.. حتى لو كان سليما من الناحية الموضوعية فإن هذا لا يعنى سلامته بعد مرور عشرة قرون على وضعه. لأن الأحكام التفصيلية تخضع لتطورات الزمن، على نقيض الكليات التى لهما صفة الدوام كالخير، والحب والسلام، والعلم والحرية والعدل الخ... فهذه الأحكام التفصيلية عن علاقة الرجل بالمرأة والحاكم بالمحكوم، وصاحب العمل بالعامل تخضع لتكييفات عديدة بعضها بحكم التطور فى الأوضاع وبعضها بحكم التطور فى الإفهام. وهو أمر يمكن أن تيسره للفهم بأن آراء إنسان ما فى طفولته ليست هى آراءه فى شبابه، ولا هى آراءه فى شيخوخته، وكذلك الأمة فى صباها وفى طفولتها وعند نضوجها. إن العامل الزمنى، وما يعنيه من خبره ومعاناة وتجربه ومعرفة للظروف وتعرف على الحلول كلها تؤدى إلى أن يختلف فكر الفرد فى صباه عن ما هو فى شبابه وشبابه عن كهولته الخ... والأمم أعظم درجات واختلاف.

من أجل هذا نقول إن هذه الأحكام التى كانت يوما ما صالحة، لا يمكن أن تكون صالحة.. وكيف تكون صالحة وقد صدرت فى ظروف وأوضاع مختلفة كل الاختلاف عن وضع العصر الحديث وكيف نحكم عيون ناس ماتوا من ألف عام فى أحكام هذا العصر.. ولحساب من يتم هذا، خاصة وأن كبار الأئمة أنفسهم نهوا عن أن يقلدهم أحد..



عوامل عديدة - سلبية وإيجابية - توجب إيجابا أن ننهى عهد السلفية

عوامل عديدة، بعضها سلبى وبعضها إيجابى توجب إيجابا أن ننهى عهد السلفية ونطويه، ونبدأ عهد "ما بعد السلفية" ونفتحه..

من العوامل السلبية ما أشرنا إليه من أن الأساس المعرفى الإسلامى الذى وضع خلال القرون الثلاثة الأولى تسللت إليه روايات دست عليه للنيل من الإسلام أو لتحقيق سياسات خاصة ودقت على الأئمة بحيث أخذوا بها وكان هذا نقصاً فى صميم هذا البناء الرائع...

ومن هذه العوامل أيضاً أن هذا الأساس حتى لو كان سليما صحيحا، مبرءاً من الخطأ عندما قدم أول مرة، فإن مرور ألف عام لابد وأن تجعله متخلفاً لاختلاف الأوضاع ولتطور المجتمع تطوراً ما كان يتصوره العالم القديم. ولهذا الاختلاف والتطور أثره على فهم الأحكام من ناحية، وعلى تطابق وتجاوب الأحكام من ناحية أخرى والحصيلة الأخيرة عدم الصلاحية...

ومن العوامل الإيجابية، فإن أهم شىء هو أن نعمل عقولنا لأن العقول هى سلاح الإنسان فى الحياة وهى ما تميزه عن الحيوان وما تهديه للتفريق ما بين الخطأ والصواب وقد أوقفت أمة الإسلام إعمال عقولها طوال ألف عام حتى كاد العقل المسلم أن يشل وعلته طبقات بعد طبقات من الصدأ والغشاوات ولابد من إزالتها. ومن إيقاظ العقل النائم المخدر بأحلام الماضى – إلى ضرورة معايشة للواقع ومجابهته للحاضر – وستكون هذه الخطوة الأولى لأن تستخدم عقولنا فى كافة المجالات حى تكون النهضة كاملة.

كما أن التطور الجسيم الذى انتهت إليه الأوضاع، وما أوجدته هذه الأوضاع من مشاكل جديدة وقضايا جديدة، وما توصلت إليه من إنهاء أوضاع قديمة.. كل هذا يجعل إنهاء السلفية أمراً لا مناص عنه، وأن بداية عهد جديد هو أيضاً أمر لا محيص عنه..

* * *

لقد استدار الزمان وهانحن نجد أنفسنا فى مثل الموقف الذى وقفه أسلافنا فى القرون الثلاثة الأولى من الهجرة التى كان عليهم أن يلموا شعث المعارف الإسلامية وينظموها وينهجوها فيما قدموه من حديث وتفسير وفقه.

وعلينا الآن وقد رثت هذه القواعد وعجزت عن التجاوب مع متطلبات العصر أن نشمر عن ساعد الهمة، وأن نبدأ جولة جديدة نقدم فيها "ما بعد السلفية".

إننا نقف على مفصل من مفاصل التاريخ، نودع عهداً انقضى ونستهل عهداً لم يبدأ، ولم توضع له الأسس والأصول التى وضعت من قبل للعهد القديم، وسيكون دورنا مزدوجاً. فمن ناحية لابد أن نحدد موقفنا من الأصول التى بنى عليها الأسلاف تراثهم العظيم لأن بعض هذه الأصول ستكون من أصولنا.. ولكن الاختلاف يحدث من ناحيتين الأولى أن فهمنا لها ونظرنا إليها سيكون مختلفاً عن نظرة الأوائل وفهمهم لها والثانى إننا لن نقف عندها، لأن لدينا أصول مستجدة لها من الأهمية مثل ما للأصول الأولى.

فإذا كنا سنأخذ بالأصول الأولى، ولكن فى شكل مختلف فعلينا أن نبين هذا الاختلاف وأن نبرر أسبابه..

والأصول التى أخذ بها الأئمة وبنوا عليها مذهبياتهم هى القرآن والسُنة. أما ما عداهما فهى تبع لهما.

إن نظرتنا إلى القرآن الكريم تختلف اختلافاً تاماً عن نظرة تفاسير القرآن..

نحن نرى أن القرآن الكريم هو أولاً إرادة تغيير كاسحة لم تعرف البشرية لها مثيلاً بحيث لا يكون من المبالغة القول إن الثورة التى أحدثها القرآن كانت أعظم ثورة جماهيرية فى التاريخ لا يستثنى من ذلك ثورة اليهودية وإنقاذها بنى إسرائيل من الاستعباد الفرعونى وثورة المسيحية وتحريرها للمستضعفين فى الأرض من الطغيان الرومانى، إذ أجتمع لثورة الإسلام من عناصر الكمال ما لم يكتمل لهذين..

قبل الإسلام كان العرب يعبدون أوثانا لا تنفع ولا تضر ويقدسون الأعراف والعادات التى تركها لهم آباؤهم وتقوم حياتهم على السلب والنهب آونة وشرب الخمر ولعب الميسر آونة أخرى فندد القرآن بهم، وبآبائهم ]إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا[. ]وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ[. ]قَالَ لَقَدْ كُنتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ[. ووجههم نحو عبادة الله الخالق بديع السموات والأرض الرحمن الرحيم إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه، وله المثل الأعلى وصاحب الأسماء الحسنى، وما ترمز إليه من رحمة وعدل وصدق ووفاء وحرية، وعمق معنى العدل بكل الطرق وندد بالظلم والطغيان..

وعرف القرآن المجتمع الجاهلى على أمر لم يكن له به معرفة هو الإنسان الذى كرمه الله فجعله خليفة فى الأرض وعلمه الأسماء كلها وأسجد له الملائكة وسخر له ما فى الأرض جميعاً بحيث تحمل هذا الإنسان "الأمانة" التى أبت السموات والأرض والجبال أن يحملنها وأشفقن منها..

هذه المعانى: وأعنى إرادة تغيير ما خلف الأباء والتنديد بإهمال العقل، والدعوة لتكريم الإنسان هى روح القرآن والمضامين الفعالة فيه.. وهى مما لا تشير إليها التفسيرات التقليدية ولا الدعوات الإسلامية، ولعلها لم تتعرف عليها وموقفهم منها لا يختلف عن موقف الجاهلية..

لقد أدى انشغال التفاسير التقليدية بالإعجاز البيانى وتأثرها بالإسرائيليات والأحاديث الموضوعة والأبيات الشعرية المنحولة إلى عدم تبين القسمات التى بدونها لا يمكن فهم طبيعة وروح القرآن..

ففى القرآن الكريم إيماءات وإيحاءات تنطلق بسرعة البرق أو كلمح البصر – من الخاص إلى العام – ومن الواقع إلى الواجب، ومن الحاضر إلى المستقبل، وبكلمات القرآن وقع موسيقى ورنين كرنين الذهب والفضة يخترق الأذان إلى الوجدان. وهناك من الألفاظ ما يقبل العديد من المعانى دون ابتسار أو تطويع، بحيث يمكن إعمال تفسيرات عديدة، كل واحد فى وقت معين، أو بالنسبة لمكان معين، بحيث يكون القرآن الكريم مرجعا لكل الناس فى كل العصور، ونحن لم نجد صعوبة فى تفسير الآية 282 من سورة البقرة (وهى آية الدين – أطول آيات القرآن) تفسيراً نقابياً يجعلها أصلاً للاتفاقيات الجماعية. مع أن مثل هذا التفسير ما كان يمكن أن يخطر لمفسرى العصر القديم لأن الاتفاقيات الجماعية لم تظهر فى العالم إلا فى منتصف القرن التاسع عشر عندما استطاع العمال البريطانيون والأمريكيون تكوين نقابات قوية تستطيع إبرام اتفاقيات أو عقود مع الشركات وأصحاب الأعمال. كما أن كلمة تظلمون الثانية فى الآية ]فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ[. تفسح المجال لتفسيرها بأن تكون قيمة الدين هى القيمة الحقيقية – وليست الأسمية – للنقود وهى التى تهبط نتيجة للتضخم وبهذا تحل مشكلة الربا على أساس عادل ومعقول، كما قال القـرآن أربع كلمات لحل مشكلة الرق.. ]فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً[. وبهذا يمكن سد منبع الرق، أما ما كان قائماً بالفعل فقد أمكن للقرآن سده بالاستجابة لطلب المكاتبة. ولكى يبرهن القرآن على وجود الله قال ]أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمْ الْخَالِقُونَ[. وهى أقوى من أى منطق يمكن أن يأتى به أرسطو، ولو فسر أحد اليساريين الآية ]الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ[. بأن الدين هو "الخبز والحرية" لما كان متجنيا لأن "أطعمهم" إشارة صريحة إلى الخبز، ولأن "آمنهم من الخوف" لا يمكن أن يتحقق إلا بالحرية، ففى المجتمعات العريقة فى الحرية ينام المواطن ملأ عينه دون أن يخطر بباله أن يدهمه زائر الفجر.

وهل كان أحد فى العصر القديم يدرك أن تعبير ]بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ[. ليس له من تفسير يبين الأعجاز إلا ما أظهره العلم الحديث من تفرد كل بنان لكل واحد ببصمة متميزة لا تشبه ملايين البصمات..

أما الإعجاز العلمى والإعجاز العددى وما تلهمه أوائل بعض السور فهذا ما أوحى إلى لفيف من العلماء بإصدار مئات الكتب ولو استبعدنا معظمها، فإن الباقى يكفى لتأكيد صحة ما ذهبنا إليه من أن اللفظة القرآنية أشبه ببويضة مخصبة، لا يعلم أحد ما فيها حتى يأتى الوقت المناسب ليظهر معنى جديد خفى على السابقين.

ولعل عمر بن الخطاب وقف هذا الموقف عندما قال عما قد لا يفهمه من ألفاظ فى القرآن، "دعوها لخالقها" وما جعله لا يأسى لجهله معنى "أبا" فى "وفاكهة وأبا" فهناك من الألفاظ ما قد يعجز جيل عن أن يدركها لأن فهمها لن يتأتى إلا لجيل لاحق..

ومثل هذا ما يقال عن أن القرآن حمال ذو وجوه وأنه يمكن أن يتضمن حكما كما يتضمن نقيضه ويمكن أن يفهم منه واحد ما لا يفهمه واحد آخر. فهذا كله من مزايا القرآن. لأنه يفسح المجال للتعددية. فالقرآن لا يريد أن يوقف الناس على مثل حد السيف وهو يفسح لهم الأخذ بهذا أو ذاك، فالإسلام مُنَزل لكل الشعوب فى كل الأزمان، وحتى فى المجتمع الواحد فإن هذا يثير الفكر ويحرك العزائم وفى النهاية يذهب الزبد جفاء، وأما ما ينفع الناس فيمكث فى الأرض.

وظن بعض الساذجين أو المغرضين خاصة من المستشرقين أن وجود آيات فى القرآن تتفق مع بعض ما جاء فى العهد القديم أو الأناجيل يثبت أن الرسول نقل فى القرآن هذه المعلومات عن طريق اتصاله ببعض اليهود أو المسيحيين. وفاتهم ما قرره القرآن من أن الدين أصلاً واحدا، ولذلك لا يستنكر أن يأتى القرآن ببعض ما جاء فى الكتب السابقة، بل إن القرآن نص ]إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ[. وأن كل الأنبياء كانوا مسلمين بنوع ما. لأن الإسلام يعنى إسلام الفرد قلبه لله، وهذه هى خصيصة كل الأديان فضلاً عن أن من المسلم به أن اتفاق بعض المعلومات فى كتب مختلفة يمكن أن يعود إلى أسباب غير النقل أن المعلومة مبذولة فى السوق، ولكن من يصنع منها الجواهر واللائى وعلى كل حال فإن معالجة القرآن وتكييفه لوقائع تضمنتها التوراة والإنجيل مختلف ومتميز فالحكم بأن ما جاء فى القرآن منقول عن العهد القديم أو الأناجيل والعهد القديم كلام لا قيمه له ولا يراد منه إلى إثارة الغبار أمام الحق الأبلج...

ولم يفهم البعض أن توجد آيات تعرض قتالاً وأخرى توجب سلاماً فى حين أن الحرب والسلام لابد وأن يعرضا للمجتمع. فقد حورب الإسلام بقوة وشراسة تتطلب المقابلة بالحرب فتأتى الآية "وقاتلوهم" ولكن عندما لا يحارب الإسلام فتطبق الآية ]لا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْـهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ[ {8 الممتحنة}..

وقد توجد آيات تعد بثواب جزيل وتأتى آيات أخرى تحذر من عذاب وبيل، وكان لابد من هذا لأن النفوس تتفاوت..

وكما قال شوقى:

ومن العقول جداول وجلامد
ومن القلوب حرائر وإماء
وصاحب الطبع الجاف والقلب الغليظ يحتاج إلى هذه القوارع التى تجلده وتجعله يتأثر. بينما تكون آيات الصفح والسماح واللين والمغفرة لذوى المشاعر النبيلة كالنسمة الرقيقة.

ولو أن القرآن اقتصر على واحدة لما أثر ذلك على فئات عديدة من الناس موجودة بالفعل سواء أحببنا ذلك أو كرهنا، ولا تزال فكرة الثواب والعقاب – رغم ما يوجه لها من نقد هى أكبر ما يؤثر فى النفس البشرية وما يضبط سير المجتمع.

وقد يذكر البعض ذفاعاً عن "الحسد أو الجن" أن القرآن ذكرهما، ولكن ذكر القرآن وجودهما لا يعنى أن لهما الآثار التى ينسبها إليهما الناس خاصة وقد قرر القرآن أن لا شىء يمكن أن يؤثر أو يحول السنن، أى الأصول والأسس التى وضعها الله تعالى للمجتمع أو الكون.

وكررت أستاذه فى جامعة الأزهر بصدد الدفاع عن تفضيل الرجال على النساء أن القرآن قال ]وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثَى[. وفاتها أن القرآن أورد هذا القول على لسان مريم التى كانت تعبر عن فكرة اليهود وتفضيلهم الأبناء على البنات، واستشهد آخر مبرهناً على كيد النساء أن القرآن قال ]إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ[. ولكن هذا إنما كان كلام أحد حاشية فرعون. فلا يحسب على القرآن فى شىء..

ومن الممارسات المرفوضة أن ينتزع بعض الناس آية أو جزءاً من آية من سياقها ثم يستدل بها أو يستنبط منها حكماً لأن السياق فى القرآن هو الذى يحكم المعنى وقد يتضمن ما قبل الفقرة المنتزعة ما لا يجعلها حكماً أو يرتفق عليها باستثناء أو غيره، ولهذا فيجب لمن يريد الاستشهاد أن يأتى بأية أو اثنتين قبل الآية التى يستشهد بها وكذلك آية أو اثنتين بعدها. وبذلك يستبعد الالتباس..

ولا يمس قداسة القرآن فى شىء أن تتضمن بعض آياته أحكاماً خاصة بالمجتمع العربى فى القرن السابع الميلادى تعالج جوانب مما كان قائماً وقتئذ، فلما جاوز التطور هذه الجوانب طويت الأحكام التى أصدرها القرآن عنها، فهذا أمر لم يكن منه مناص إذ لم يكن القرآن ليتجاهل هذه الجوانب وهى تؤثر فى حياة المجتمع تأثيراً بالغاً. فلم يكن للدولة بحكم التكوين القبلى للمجتمع العربى – جيش محترف تكون مهمته القتال ويتقاضى أجوراً – وإنما كان الجيش يقوم على متطوعين كانوا يجدون فيما يغنمون من سلاح وعتاد من أعدائهم ما يقنعهم، وقد انتفت هذه الصورة فظهر الجيش المحترف الذى يأخذ مرتبات، وبالتالى لم تعد للغنيمة مكان. فطويت الآيات التى جاءت فى القرآن الكريم عن الغنائم، ولعل مثال الرق أكثر دلالة، فقد وضع القرآن الكريم مبدأ ]فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً[. وطبقه الرسول، ولكن ظروف المجتمع لم تسمح بتطبيقه وقتئذ ولم يكن الذى حرر العبيد هو ويلبرفورس فى إنجلترا أو لنكولن فى أمريكا، ولكن الآلة البخارية التى جعلت عمل العبد عبئاً بعد أن كان كسبا فوجب التخلص منه، أى تحريره..

ولما رأى عمر بن الخطاب أن سهم "المؤلفة قلوبهم" لم يعد له مكان بعد انتصار الإسلام، لم يتردد فى إيقافه رغم النص عليه فى القرآن كما جعل الطلاق مرة واحدة لما رأى الناس وقد أساءوا استخدام سلطاتهم، مع أن الآية صريحة "الطلاق مرتان"..

وقل مثل ذلك التوقف عن تطبيق الحدود فى الغزو أو فى المجاعات الخ...

وهذه السوابق توضح لنا أن الصحابة لم يكونوا جامدين، مغلقى الفهم أمام القرآن.. ولعلهم تذكروا أن القرآن نفسه قال ]وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا[.

* * *

هذه النظرة تمثل مدخلاً ومنهجاً يختلف عن مراحل ومنهج المفسرين الذين أشرنا إليهم فى كتابنا "تفسير القرآن" فقلنا :

"كانت هناك ثلاث مجموعات أقدمت على التفسير وعنيت به. فاللغويون أرادوا أن يصلوا إلى أسرار الإعجاز اللغوى فى القرآن، وما جاء به من نظم بديع ونسق فريد، والمذهبيون حاولوا إثبات مذاهبهم فى جوانب من العقيدة بمختلف الآيات مستغلين مرونة التعبير، وما يمكن أن يحمله تركيب الجملة القرآنية من معانى، وبوجه خاص الآيات المتشابهات، والإخباريون تتبعوا الوقائع التى ذكرت فى القرآن من خلق آدم حتى قيام الساعة وما بين ذلك من أحداث، وقصص الأمم التى تحدث عنها القرآن، وفى مقدمتها بنو إسرائيل ..

ونحن نفترض فى معظم هؤلاء حسن النية، وأنهم أقدموا على هذه المهمة لخدمة القرآن والتقرب إلى الله، كما لا ننكر عليهم ما بذلوا من جهد وما تحملوا من مشقة وما توصلوا إليه من نتائج، ولكن هذا لا ينفى وجود عوامل عديدة أثرت عليهم كتمسكهم بالمفاهيم السابقة. فاللغويون دخلوا الميدان مسلحين بقواعدهم النحوية، فوجدوا القرآن فى بعض الحالات، يضرب بهذه القواعد عرض الحائط، والمذهبيون وجدوا أن ظاهر النص قد لا يؤيدهم تماما، أو هو أقرب إلى المخالفة، فعمد هؤلاء وأولئك إلى التعسف فى التأويل. أما المؤرخون الذين لم يكن لهم منهج، وغلبت عليهم السذاجة فقد كانوا ضحايا للوضاعين وأسرى الإسناد، وجازت عليهم نصوص لا حصر لها، يمكن القول دون مبالغة – أنها مفتريات على الإسلام ومكايد نصبت للنيل منه.

ولعل أكبر مأخذ يؤخذ على هؤلاء جميعا أنهم فى غمرة اهتماماتهم بتخصصاتهم وعملهم لإثبات وجهات نظرهم أهملوا الإشارة إلى روح القرآن نفسه تلك الروح التى تنتظم آياته جميعاً ككتاب إحياء ونهضة وهداية يستهدف إخراج الناس من الظلمات إلى النور.

وخلاصة الأمر أن القرآن تنقلت به الحال من كتاب لتربية المسلمين وتعليمهم الدين والشريعة إلى نص لمجرد الفهم إلى ميدان فسيح لتطبيق علوم اللغة على اختلاف أنواعها وبهذا تم عزل القرآن كعامل يعمل لتربية المسلمين وتكوين عقائدهم وأخلاقهم وشريعتهم وتوجيه سلوكهم".



مضمون ومكوّنات ما بعد السلفية تقوم على فهم جديد للقرآن وتأصيل جديد للسنّة واستلهام للحكمة كمصدر قرنه القرآن بالكتاب وجعله الباب المفتوح للمعارف الجديدة.
القرآن
نحن نرى أن للقرآن مضامين وتفاعلات لأنه كتاب هداية، وإبداعه لصياغته الخاصة الآسرة إنما هى لتهيئة النفس لقبول هذه الهداية – فهى وسيلة – وليست غاية.. وهداية القرآن هداية شاملة بمعنى أنها تعرض منهجاً حضارياً للحياة وهذا سر شمول القرآن للجوانب الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.
ومراجعة القرآن توضح لنا إنه يتضمن الموضوعات الآتية :
التعريف بالله باعتباره الخالق لهذا العالم الذى أبدعه وأحكمه وخلق الإنسان فى أحسن تقويم وزوده بالملكات اللازمة وعلمه الأسماء (رمز للمعرفة) وأسجد له الملائكة وجعله خليفة على الأرض. ووضع للكون والمجتمع أصولاً ومبادئ يسيره بها وجعل هذه المبادئ والأسس هى محور العمل وألتزم بها "وهى بعد كل شىء من وضعه" فقال ]وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا[. وقال ]إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ[.
أحاديث عن اليوم الآخر والبعث والجنة والنار مع التأكيد أنه لا تظلم نفس مثقال ذرة، وأن الحسنة تحسب بأضعافها وأن الله هو الرحمن الغفور التواب الرحيم.
  1. أحاديث عن الرسول ورسالته وما ينبغى أن يكون عليه وذكر للأنبياء الآخرين والإيمان بهم.

  2. ذكر بعض فروض العبادة كالصلاة والصيام والحج والزكاة، ويفترض الالتزام بها.

  3. ذكر توجيهات وخطوط عامة عما ينبغى أن تكون عليه الأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ويمكن القول إن عمادها العدل ويأتى الخطاب بضرورة تطبيقها دون ذكر للوسائل على وجه التحديد.

  4. ذكر بعض الجرائم كالسرقة، والزنا، والقتل الخ... مصطحبة بعقوبات مقدرة.

  5. ذكر أوامر أخرى كتوزيع الميراث، والغنيمة والقتال.

  6. توجيهات أخلاقية مثل كرامة الإنسان والالتزام بالقيم من خير وإيثار وحب ومعرفة وحرية ومساواة وعدل الخ... والسير فى الأرض وإعمال الذهن فى عجائب هذا الكون من شموس وأقمار أو فى حضارات المجتمع الإنسانى.

  7. توجيهات تتعلق بآداب اللياقة فى الزى والزيارة والأكل وملاحظة الحشمة فى زى النساء الخ...
ويمكن تقسيم هذه المضامين إلى ثلاثة أقسام...
القسم الأول: العقيدة ويضم ما جاء عن الله تعالى والرسل واليوم الآخر وهو ما يجب الإيمان به بعد فهمه بالصورة التى توحى بها الآيات..
ويلحق بها عادة الشعائر العبادية من صلاة وصيام الخ...
القسم الثانى: الشريعة ويدخل فيه كل ما يمت إلى الاقتصاد والاجتماع والسياسة والحدود والميراث والقتال الخ... وهذه تتبع ما دامت الحكمة التى من أجلها صدرت قائمة، فإذا زالت الحكمة فإن مبرر وجودها يزول. وعلى كل حال فهى قابلة للنظر فى ضوء دوام اتفاقها مع العدل والمصلحة.
القسم الثالث: التوجيهات الأدبية والقيم الحضارية التى يجب أن تستلهم وتُتبع قدر الطاقة لأنها هى فى أصل نزول الأديان. وجزء ثمين من روح الأديان، وسر تماسك واتزان المجتمع وبعده عن الشطط والانحراف ولكنها لا تقوم على عقوبات دنيوية وإنما تصدر عن الضمير والإيمان والتقوى كما تضم كذلك توجيهات عن الآداب واللياقة.
ويجرى القرآن تفاعلات ما بين هذه المضامين وطريقة تحقيقها، فالإيمان والاعتقاد يقومان على الحرية دون أى دخل من السلطات أو ضغط من المجتمع، والأعمال والعلاقات تقوم على العدل ويفصل فيها القانون الملزم لأنها تتعلق بحقوق مادية للأفراد لا يمكن التنازل عنها أو الحيف عليها. أما الفضائل وإتباع القيم فإن القرآن يضع مستوى يلحظ فيه القدرة وعدم مجاوزة الطاقة ويعد هذا المستوى هو المستوى الملزم. ويمكن أن نسميه المستوى الوسط ويضع القرآن مستوى أعلى من هذا هو مستوى الفضل والإحسان الذى يمكن للمؤمن أن يحقق فيه بقدر ما يدفعه إيمانه ورغبته فى القربى إلى الله وخدمة الناس والمجتمع. وقدرته على ذلك وفى الوقت نفسه يضع القرآن مستوى أدنى من المستوى الوسط لأنه يدرك طبائع النفوس وتفاوتها، ولا يريد أن يحرم من يغلب عليه الضعف البشرى من رحمه الله، ومن قبول المجتمع، فيتسامح فى اللمم ويتجاوز عن السيئات ما لم يرتب عليها شرور أو أذى الآخرين..
وفى جميع الحالات يضع القرآن آلية هامة تمثل التفاعل خير تمثيل هى المقاصة التى تقوم على التوبة وعمل الصالحات فى مقابل عمل السيئات بحيث يبدل الله سيئاتهم حسنات، وهو منتهى الكرم الإلهى لأن الله لن يعفو فحسب عن سيئاتهم، ولكنه أيضاً سيبدلها حسنات بما فعلوا من الصالحات.
وتتفق هذه الآلية مع التصور الإسلامى الديناميكى للمبارزة ما بين الخير والشر، وأنها سجال تكون الغلبة فيه بالنهايات، وبالمجموع للحسنات بمقارنة مجموع السيئات..
وفى الفقه التقليدى، فإن الإنسان يحاسب على كل سيئة، ويثاب على كل حسنة، ولكن فى فقه دعوة الإحياء الإسلامى فإن موقعه إنما يتحدد على أساس نتيجة المقاصة ]فأمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ(6) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ(7) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ(8) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ 9} [القارعة}

الّالسنّة ة
لقد عالجنا قضية السُنة بنوع من التفصيل فى الجزء الثانى من كتاب "نحو فقه جديد" الذى خصص بأسره للسُنة، ثم فيما يلى ذلك من كتابات مثل "استراتيجية الدعوة الإسلامية فى القرن الـ21" ومثل "الإسلام كما تقدمه دعوة الإحياء الإسلامى" ولا يتسع المجال لتفصيل. إن محل هذا هو الكتب التى أشرنا إليها أما فى مقال أو بحث فنحن نضع الخطوط العريضة التى لا نرى مناصاً منها.
الأول: أن السُنة لم تدون إلا فى المدة ما بين 100 – 250 عاماً هجرياً، وسمح ذلك بوجود عشرات الألوف من الأحاديث الموضوعة... تكرر عشرات الألوف.
الثانى: أن اعتماد رواة الحديث على السند عن طريق التناقل الشفهى لا يمكن أن تكون طريقة معتمدة فى الإثبات لأن التناقل الشفهى لا يصلح أساساً لتقرير الحقوق. ولأن التركيز على السند هو تركيز على الواسطة، وليس على الموضوع نفسه وقد أثبتنا ذلك فى كتابات عديدة وأشرنا إلى القرآن الكريم الذى حدد طريقة معينة لإثبات الحقوق هى الكتابة الموثقة بشهادة شاهدين عدلين وأكد القرآن ولا تسأموا أن تكتبوه صغيراً أو كبيراً الخ... فإذا كان القرآن يشترط هذه الشروط لإثبات أحقيه بضعة دنانير فإنه فى إثبات نصوص تضرب بها الأعناق وتستحل بها الفروج لابد وأن يكون أكثر تشدداً..
لا حل لهذا الإشكال إلا ضبط السُنة بمعايير من القرآن فما من مسلم يمكن أن يرفض هذا أو يرى فيه حيفاً على السُنة، وإنما ضماناً وحرصاً على صحتها..
وقد وضعت دعوة الإحياء الإسلامى 12 معياراً قرآنياً فإذا خالف حديث أحد هذه المعايير فإننا نتوقف عنده ولا نعمله، لأنه لابد أن توجد فيه علة (أنظر كتاب السُنة "الجزء الثانى من كتاب نحو فقه جديد" وكتاب "الإسلام كما تقدمه دعوة الإحياء الإسلامى").
بالإضافة إلى هذا التجديد الجذرى فى إثبات مصداقية الحديث الذى يمكن أن يستبعد بعض مئات من أحاديث الصحاح. فإننا نؤمن أن كل ما قاله أو فعله الرسول خارج الإطار القرآنى إنما جاء بوحى سُنى، أريد به البقاء ما بقيت الدواعى والأسباب دون أن يكون له تأبيد وحى القرآن..
ولم تبدع دعوة الإحياء الإسلامى هذه الفكرة أو تخترعها من تلقاء نفسها أو بحكم هواها ورغباتها ولكنها بنتها على مقدمات ثابتة هى :
أ. أن القرآن الكريم أغفل ذكر تفاصيل عديدة بالنسبة للشعائر من صلاة أو زكاة أو بقية فرائض الإسلام الخ... وبالطبـع فإن إغفاله هـذا لم يكن نسيا.. ]وَمَا كَانَ رَبُّـكَ نَسِيًّا[.
وما نفهمه من هذا هو أن القرآن الكريم أراد للكليات الكبرى وحدها التأييد فذكرها أما تفاصيل هذه الكليات فلم يرد لها التأبيد ولو أراد لذكرها.
ب. لما كان من الضرورى تحديد هذه التفصيلات فإن القرآن وكل تبيانها للرسول ]لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ[.
ج. قام الرسول بهذه المهمة لا من تلقاء نفسه، ولكن طبقا لوحى سنى يختلف فى طريقته ومقتضاه عن الوحى القرآن الذى كان له طبيعة مميزة ومقتضى صارم هو تبليغ النص القرآنى بحرفيته.
د. فى الوقت نفسه فإن الرسول نهى عن كتابة حديثه، وأمر من كتب شيئاً أن يمحه. وهذه قضية ثابتة لا يجوز التماحك فيها. فإن التدوين لم يبدأ إلا على رأس المائة الأولى للهجرة على يدى عمر بن عبد العزيز، وقد رفض الخلفاء الراشدين الأربعة تدوين السُنة.
ومدلول هذه الواقعة أن الرسول نفسه لم يشأ أن يكون لما أمر به من تفاصيل صفة التأبيد القرآنية، وبهذا التقى مع القرآن نفسه، وهو الأمر المنتظر.. فما جاء به الوحى السُنى يظل ما دامت الأوضاع تتحمله. وتتجاوب معه فإذا لم يحدث وجب العودة إلى القرآن الكريـم لاستنباط أحكام جديدة تتفق معه، ومع الأوضاع أيضاً دون أن يكون الداعى لهذا هو الهوى أو الاختيان.
وقد صرح بعض الفقهاء ومنهم السيد رشيد رضا، أن الصحابة رفضوا أن يجعلوا الأحاديث دينا عاماً ودائما كالقرآن. وذهبت إحدى فتاوى الأزهر أن السُنة لا تستقل بإثبات الإيجاب والتحريم..
بل إن هذا هو ما صرح به الرسول عليه الصلاة والسلام فى الحديث عن عوف بن مالك قال: خرج علينا رسول الله وهو مرعوب متغير اللون فقال: "أطيعونى ما دمت فيكم، وعليكم بكتاب الله عز وجل فأحلوا حلاله وحرموا حرامه" وفى رواية "خطبنا رسول الله بالهجير وهو مرعوب فقال "أطيعونى ما كنت بين أظهركم وعليكم بكتاب الله أحلو حلاله وحرموا حرامه" هذا الحديث الذى اجتمع فيه أربعة من الصحابة يروى بعضهم عن بعض ينبىء بأن الرسول استشرف أن المسلمين سيحلون السنة دون أن يكون هو موجوداً ليظهر ما تطرق إليها من خطأ أو نسيان أو وضع محل القرآن الكريم فتملكه الكرب..
بهذين التخريجين لم تعد السُنة عقبة فضلاً عن أن دعوة الإحياء الإسلامى تجعل الرسول المثل البشرى والأعلى والأسوة لكل المؤمنين، وأنها تتمسك بما وضعه من تقاليد لما يكون عليه الحكم وهو جانب يرى الفقهاء أنه ليس تشريعا.
لن نغلق على الأصول الأخرى التى ابتدعها الأسلاف وأقاموا عليها الفقه السلفى، لأننا لا نأخذ بها. فالإجماع كأصل تشريعى فيما يستحدث من قضايا لم يوجد فى تاريخ التشريع الإسلامى، وقد أهال عليه الشافعى شبهات متكاثفة، وأنكره أحمد بن حنبل، أما الاجتهاد فإن الصورة التى وضعها الأسلاف له جعلته "قميص كتاف" لا أداة اجتهاد لأنها حصرته فى وحده العلة..
ومن ثم فلا تعليق على هذين الأصليين..
* * *
المالمكوّنات الجديدة في الفكر الإسلامي وّنات الجديدة في الفكر الإسلامي
كما ذكرنا أن موقفنا يختلف عن الأسلاف فعندما بدأ الأسلاف عملهم لم يكن لديهم سوى الكتاب والسُنة، أما نحن فلدينا بالإضافة إلى هذين أصول أخرى جاء بها التطور واستحدثتها ثورة المعرفة فى أربعة جنبات العالم. ونجد أصولاً لها فى القرآن الكريم وفى روح الإسلام ولكن روح العصر القديم. وبدائية وسائل ومعدات البحث حال دون ظهورها فنحن اليوم ننفض عنها الغبار وندفه بها فى خضم المعركة..
لقد قرأ الأسلاف القرآن على ضوء شمعة أو سراج ينونص، أما نحن فننظر فيه تحت ضوء المصباح الكهربائى قوته ألف شمعه، فنرى ما لم يرون، ويصبح لدينا مكونات جديدة..
هذه المكونات هى الإنسان، والزمان، والحكمة.
أانأولاً : الإنسان : :
عرف الإسلام الجاهلية على صورة للإنسان تختلف اختلافا حاسماً عن الصورة المغلقة المحكومة بالأعراف. فقد تحدث عن الإنسان كإسم جنس "يا بنى آدم" وربطه بالله تعالى الذى خلقه فى أحسن تقويم وكرمه أعظم تكريم وجعله خليفة فى الأرض وعلمه الأسماء كلها وأسجد له الملائكة وسخر له قوى الطبيعة بحيث استطاع هذا الإنسان أن يتحمل "الأمانة" التى عجزت عن حملها وأشفقن منها السموات والأرض..
وكان هناك معنى أعلنه القرآن حينا وتضمنه السياق حينا آخر ذلك هو أن الله تعالى أنزل القرآن للإنسان ولم ينزل الإنسان للقرآن. فالقرآن بكل قداسته ليس إلا الوسيلة التى أوحى بها الله تعالى لتحقيق غاية هى هداية الإنسان وإخراجه من الظلمات إلى النور.
لهذا فإن الإنسان فى أصل كل توجيهات القرآن وهو محور الخطاب القرآنى، وإذا كان القرآن هو المنبع فإن الإنسان هو المصب..
وليس شرطا أن يكون الصحابة قد تبينوا هذه الحقائق بالصورة التى نعرضها، والتى لم نتوصل نحن أنفسنا إليها إلا بفضل الثقافات والمعارف الحديثة، ولكن هذه المعانى نفسها انطبعت فى نفوسهم واستشفوها، بحكم تلاوتهم للقرآن واستماعهم له ثم ضربت ممارسات الرسول الذى كان "خلقه القرآن" لهم المثل وما يكون عليه تطبيق توجيهات القرآن..
فالقرآن الكريم قدس الحياة الإنسانية ونهى عن قتل الإنسان إلا إذا قتل آخر عامداً متعمداً، وإن كان قد فتح الباب لإحلال الدية أو الصفح محل القصاص.
وأراد القرآن أن يجفف منابع الرق، فحصرها فى منبع واحد هو أسرى الحرب بين المسلمين والمشركين ثم جعل مصير هؤلاء الأسرى ]فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً[. وحتى يتم هذا فقد جعل القرآن "عتق رقبة" كفارة للكثير من الذنوب، وجاء الرسول فطبق هذا فى غزواته فأعتق أسراها وزاد فى الكفارات وفى الوقت نفسه، حرر الرق من أسوأ ما فيه، وهو المعاملة الوحشية التى كان العبيد يلاقونها – إلى الدرجة التى أعتبر فيها ضرب السيد لعبده أو صفعه أمراً يوجب عتقه ولدينا ثلاث حالات لذلك مما سجله التاريخ – جارية أبناء مقرن – عبد أبى مسعود – عبيد من أستفتى الرسول فى ضربه إياهم مما دفعه لتحريرهم، وبهذا وجد من لا يميز بين العبد وسيده لأنهما معا يلبسان زياً واحداً.
وساوى الإسلام ما بين الرجال والنساء ولم يفضل القرآن الرجال على النساء أو النساء على الرجال وإنما قال ]وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ[. أما درجة القوامة فهى مسئولية رعاية المرأة فى وقت ما كان يمكن للنساء أن يقمن بها، وأحاط الرسول النساء بكرامة خاصة وقال الرسول أنه لو كان مفضلاً أحداً لفضل النساء، وجعل الجنة تحت أقدام الأمهات إلى آخر ما هو معروف وما كان موضوعاً لعدد كبير من الكتب.
واعتبر الإسلام "بنى آدم" سواء لا تفصل بينهم حواجز اللون أو العنصر أو اللغة الخ... وأى شىء أجمل من الآية ]يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ[. فانظر إلى الإعجاز الذى جعل هذه الكلمات الموجزة تستبعد الفروق العرقية وتساوى بين الذكر والأنثى وتجعل الأفضلية للتقوى. وتأمر بالتعارف بين الشعوب بعضها بعضاً.
وفى المجتمع الإسلامى أيام الرسول كان صهيب الرومى، وبلال الحبشى وسلمان الفارسى، كما كان العبيد الذى حررهم أبو بكر وغيرهم يكونون جميعا أسرة واحدة يعاملون جميعاً على قدم المساواة ولا يتفاضلون إلا بالعمل والتقوى إلى درجة تمنى فيها عمر "لو كان سالم (وهو مولى أبى حذيفة) حيا لأوصى له بالخلافة. وعندما طعُن فى المسجد أمر صهيب بأن يؤم الناس.
ويعرض القرآن الكريم الإنسان كما خلقه الله بضعفه وقوته بفجوره وتقواه وتحدث عن الضعف البشرى ... "وخلق الإنسان ضعيفا" وقد بدأ هذا الضعف فى آدم ثم تطرق إلى البشر عامة، بما فى ذلك الأنبـياء أنفسهم فيما لم يكلفوا بتبليغه فقال عن آدم ]فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا[. وعن سليمان ]وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا[. وقال عن يوسف ]وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ[. وروى عن موسى ]وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنْ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا[. وقال عن ذى النون ]وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ[. وقال عن محمد صلى الله عليه وسلم ]وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ(2) الَّذِي أَنقَضَ ظَهْرَكَ(3)[. ]وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنْ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِي عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لاتَّخَذُوكَ خَلِيلاً[. ]إِذًا لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا[.
ولم ينف القرآن وهو بصدد الحديث عن المؤمنين احتمال وقوعهم فى خطأ أو استسلامهم لضعف، وقد رضى منهم أن لا يقعوا فى "كبائر الأثم والفواحش دون اللمم" الذى قال عنه أبو هريرة إنه كل ما دون الجماع وافتراض سياق الآية وقوعهم فيها، ووعد القرآن المؤمنين بأن يكفر عنهم سيئاتهم عند التقوى والأنابة وقال النبى "كل بنى آدم خطاءون وخير الخطائين التوابون".
وقال "يا أيها الناس أنكم لن تفعلوا ولن تطيقوا كل ما أمرتم به، ولكن سددوا وأبشروا".
وصور لنا القرآن أثر الوازع المادى، وهو يقرن الأموال بالأولاد، بل هو يقدم الأموال على الأولاد. ويشير فى أكثر من سورة إلى حب المال الذى يتملك قلب الإنسان "إنه لحب الخير لشديد" "وتحبون المال حبا جما" ويلمس الضراوة التى يثيرها فى النفس جمع المال واكتنازه وما يخالجها من اعتزاز وإسراف وطغيان.. "إن الإنسان ليطغى، أن رآه استغنى" وكيف يلهى المال الناس عن كل شىء حتى تفاجئهم القبور "ألهاكم التكاثر، حتى زرتم المقابر". وهو يبدى ملاحظة دقيقة: أن إحساس الغنى المفرط بثروته واعتزازه بماله. واعتقاده بقوته السحرية يصل إلى الدرجة التى يعتقد فيها أن المال سيهبه الخلود. وسيقربه إلى الله. وسيعفيه من السؤال والعقاب الذى يطبق على الفقراء، بل يعفيه من المسئولية كلها ]الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ(2) يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ(3)[. ]وَقَالُوا نَحـْنُ أَكْثـَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ[...
إن القرآن الكريم وإن كان يندد أشد تنديد بهذه النماذج من الناس، فإنه فى الوقت نفسه يقرر أنهم موجودون، ولا يوجب عقوبة دنيوية عليهم باستثناء ما أمر به من زكاة وما أوصى به من إنفاق.
والحق أن هذا هو جزء من الخط الرئيسى الذى يضعه القرآن أمام "الضعف البشرى" الذى يدفع البعض لتفضيل الدنيا على الآخرة – فهو يعترف بوجودهم وأن الله تعالى لا يحرمهم بل هو يعجل لهم ]مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا(18) وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا(19) كُلا نُمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّـكَ مَحْظُورًا[ {20 الإسراء}
وهو كذلك يتحدث عن المؤمنين الذين يغلبهم الضعف فى بعض الحالات فيرتكبون فاحشة فإذا استغفروا غفر الله لهم ]وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ[ {135 آل عمران}
]وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ[ .. {37 الشورى}
]أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ[ .. {16 الأحقاف}
ففى هذه الآيات جميعاً نجد النهى عن "كبائر الإثم والفواحش" أما ما هو دون ذلك فإن الله تعالى يتجاوز عنه، وما يزيد عن ذلك يجبه الاستغفار والتوبة.
هذا التصوير من القرآن للإنسان لابد وأن يؤدى إلى وجود "تعددية" ولابد أن تتجلى عواطف هذا الإنسان ومشاعره فى فنون وآداب "يمكن أن تشبع ميله الغريزى من غناء أو رقص أو موسيقى الخ... ولا يعد مع هذا خارجاً عن الإطار الذى وضعه القرآن للإنسان.
ولكن صورة "الإنسان القرآنى" لا توجد فى التراث الفقهى أو الدعوات السلفية التى أبدعت إنسانها الخاص بها "الإنسان الفقهانى" إذ جاز التعبير، كما أبدع الرأسماليون "الإنسان الاقتصادى" الذى لا يعمل أو يتحرك إلا بوازع الربح، والإنسان الفقهانى يختلف تماماً عن الإنسان القرآنى، فهو الإنسان الذى أسلم أمره للفقهاء، فملأوا نفسه رعبا وذعراً من الإثم والذنوب وجعلوا هاجسه الأول هو كيف يتقى الوقوع فيها فهو قبل أن يقدم على شىء أو يتخذ قراراً يستفتى ويتأكد من سلامة و"حلية" هذا الإجراء وإعانة الفقهاء على هذا بإقامة سد عال يحول بينه وبين كل ما يظن فيه أو يشتم منه الحرمة بقاعدة سد الذرائع وهى "صوبة" يترعرع فى ظلها الإنسان الفقهانى ولكن ما أن ترفع عنه حتى يذهب به عصف الرياح وأشعة الشمس.
وواضح تماماً أن هذه السياسة تناقض سياسة القرآن التى أوردنا الشواهد عليها من الآيات العديدة كما تخالف سياسة الرسول الذى ارتأى أن الصلاة تجبُ السيئات، وقال كُتب على بنى آدم حظه من الزنا مدرك ذلك لا محالة، فالعينان زناهما النظر والأذنان ذناهما الاستماع واللسان زناه الكلام واليد زناها البطش والرجل زناها الخطى، والقلب يهوى ويتمنى ويصدق ذلك الفرج ويكذبه "رواه البخارى مختصراً ورمز له صاحب فيض القدير بالصحة ودعوة الإحياء الإسلامى تأخذ الإنسان كما صوره القرآن والرسول لاكما أراد له الفقهاء – وبالتالى فإنها ترى فى شتى مظاهر الحرية التى يمارسها الإنسان أمراً مقرراً، وطبيعياً وهى لا تدين هذه الحرية لأن الإسلام جعل التعامل معها رهن بصاحبها فإذا كان فيها ما يظن به مخالفة للإسلام فقد يستغفر، أو يتوب وستجب التوبة والاستغفار ما يظن أنه يجافى آداب الإسلام كما قد يصر عليها ويمضى على غلوائه، وفى هذه الحالة فإن الله تعالى سيتولى محاسبته يوم الحساب وليس هناك ما هو أصرح ]مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا[ {18 الإسراء}.. والقرآن لم يحدد عقوبة على ما ينزلق إليه الضعف ولكن على الشر كالسرقة والظلم، أو إذا اشتط الضعف البشرى بصاحبه إلى الاغتصاب – وهى الموبقة العظمى..
والهدف من هذا هو تحرير الإنسان من وصاية وتحكم الآخرين الذين لا يسيغون ما يقوم به البعض فينصبون أنفسهم قضاة، وإذا سمح بمثل هذا فلن توجد حرية فى المجتمع، ولا كرامة للفرد، فلنترك ما لا نوافق عليه لصاحبه، ونعرف أن له حقا، كما أن لنا حقنا فى انتهاج ما نريد، وسيحاسبنا الله جميعا يوم القيامة، فضلاً عن أن المسلك الأدبى للمجتمع سيسهم فى الحكم على التصرفات لأنه عندما يعزف عن تصرف ما، فإن هذا سيؤدى إلى انحسار هذا التصرف، وهذا العزوف السلبى حق لكل واحد لا يمكن أن ينكره عليه أحد وهو يكفى وحده للحكم على التصرفات ووجوه النشاط التى يقوم بها البعض.
ومرة أخرى فإن الحكمة التى قد تدق على مدارك الذين يعطون أنفسهم سلطة التحريم والتحليل – هى أن إطلاق حريات الأفراد وإفساح المجال للمبادءات سيؤدى إلى فتح أفاق جديدة أمام المجتمع ولا جدال فى أن القرآن والرسول أدركا هذا فى حين أنه دق على الفقهاء.
ومن هنا فيجب أن لا نتصور أن المجتمع الإسلامى لابد وأن يبرأ من وقوع ما يجاوز الآداب الإسلامية. فما دام هناك إنسان، فلابد أن يظهر شىء من فجور هذا الإنسان – أو ابتغائه حرث الدنيا – وقد وكل الله الحكم فيها إليه يوم الآخرة وليس هذا إلا نتيجة منطقية لطبيعة الإنسان كما خلقه الله، ولو لم توجد هذه التجاوزات ففيم تحدث التوبة والاستغفار؟ ولمن يوجه "النهى عن المنكر"؟ إن مجرد الوجود والحدوث يجب أن يُعد أمراً طبيعياً ومنطقياً، ولا هو يعنى الاستسلام له ولكن مجابهته بالحكمة والموعظة الحسنة، وكل واحد ميسر لما خلق له.. ]فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى(5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى(6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى(7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى(8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى(9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى(10) وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى[ {11 الليل}..

ا ثانياً : الزمان : نياً : الزمان :
فى الزمان تصل السلفية إلى غايتها لأنها أسيرة الصورة العاطفية لعالم الأسلاف. فهى ماضوية حتى النخاع، وتتمنى من أعماق نفوسها لو أنها ولدت – أو لو استطاعت أن تعيش فى أحد القرون الثلاثة الهجرية الأولى التى قيل عنها إنها أفضل القرون.
فى العصور القديمة كان العنصر الأكثر تأثيراً فى المجتمع هو "المكان" لأن الناس كانوا مربوطين إليه، وخاضعين له، فلا يستطيعون تركه لصعوبة وسائل الاتصال، ولعدم المعرفة بما وراءه، كما لم تكن وسائل "تكييف الجو" أو تعبيد الطرق الخ... ميسره فكان الناس تحت رحمة المكان، ولكن العصر الحديث غير هذه الصورة بحيث ظهر "الزمان" وما يمثله من تطور، واختراع واكتشاف وتيسير للمواصلات وإبداع لوسائل تكييف الخ... بحيث فقد المكان أهميته، ثم جاء الطيران فأصبح الانتقال يتم فى السموات العلا، وفوق السحاب فمحا الحدود، وأصبح العامل الأكثر أهمية وتأثيراً فى حياة الناس هو الزمان، وخضع المكان لسطوة الزمان. فقد يكون شخص ما فى أدغال خط الاستواء ومع هذا يكون بيته مكيفا، وبه الثلاجة، وكل المعدات الحديثة وتأتى الطائرة لتنقل صاحبه من حر خط الاستواء إلى جليد أوروبا وهكذا فقد المكان آثاره وأصبح الإنسان هو الإنسان "الزمانى" وهو ما يوضح لنا جريمة تجاهل الزمان. فإن من يتجاهله ينفى نفسه من عالم العصر.
ولم تكف الكرة الأرضية بأسرها همة أوروبا، فانطلقت ترود الفضاء وأرست سفنها على القمر بينما انطلقت الصواريخ تسير نحو الكواكب البعيدة الأخرى..
ولكن شيئاً من هذا لا يزحزح فى ماضوية السلفية، ولا يحرك ساكناً فى نفوس أصحابها فهم يركبون الطيارات دون دهشة.. وكل ما يقولون ]سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ[.
إن النزعة الماضوية التى هى سر السلفية والتى تمسك بخناق الهيئات الإسلامية على اختلافها والتى يظنون أن فيها الإسلام والسلامة، وأن كل جديد فهو رد وكل بدعة ضلالة الخ... وأن السبيل الأمثل ما كان عليه الأسلاف.. نقول إن هذه النزعة تخالف روح الإسلام فى ناحيتين الأولى أن الإسلام مستقبلى وهى ماضوية ومستقبلية الإسلام تفوق أى مستقبلية أخرى والنظر إلى المستقبل هو سر ازدهار الحياة. فالفلاح الذى يغرس البذور لا يتصور أنه سيأكل منها فى يومه لأنه عندما غرسها فى الأرض حرم نفسه من لذة أكلها فقد أكلها ولو كان هناك ثمار وقد يكون عليه أن يظل سنوات طوال حتى تثمر الشجرة..
ويوفر التاجر من أرباحه فلا ينفقها على ملذاته ولكنه يدخرها ويعيد استثمارها ويحرم نفسه من الاستمتاع بها لأنه يعمل للمستقبل لا للماضى.
والإسلام كهذا الفلاح والتاجر لأنه يجعل الحياة بأسرها قنطرة للآخرة. ويكون عليه أن يجعلها عملاً وكفاحاً ودأبا وممارسة للصالحات وتجنب الشهوات قبل أن يدركه الموت...
ففكرة العكوف على الماضى واستلهامه مخالفة تماماً للإسلام لأنها تحول دون العمل والإبداع وأداء الصالحات وكبح الشهوات وتوجد بديلاً عن هذا كله فى التغزل فى هذا الماضى والإشادة به، أو تجعل الشحاذة منه عملاً وحرفة، وهى فى أعماقها مرض نفسى تبرر به النفس عجزها عن العمل، وسيادة السلبية عليها، والإسلام فى مستقبليته لا ينظر إلى الماضى ولا يقدس القبور، أو يعلى بنيانها، بل يطمس معالمها، وإذا كان قد سمح بزيارتها فللاعتبار، وقد رأى أن التمسح بأركانها أو تصور أى قوة فيها نوع من الشرك والماضوية فى حقيقتها "قبورية" ووثنية ..
ومن ناحية أخرى فالماضوية تتنافى مع الإسلام فى أنه موضوعى، أى يمثل الفكر والمبدأ والقيم فى حين أن الماضوية (ولك أن تقول السلفية) تمثل التراث.. التراث، والأشخاص، والممارسات. وفى حين أطلق الإسلام على اتباعه أسم "المسلمين" أى الذين يؤمنون بالإسلام وقيمه الموضوعية فإن الماضوية جعلت أصحابها يحملون أسم "السلفية" وما السلفية إلا إتباع السلف وطرائقهم ومذاهبهم وقد رفض الإسلام هذا وسمى اتباعه المسلمين أو المؤمنين ويتضح مدى الفرق فى أن وسيلة الموضوعية هى الفكر، وأن وسيلة السلفية هى التقليد فالفرق بين الموضوعية والسلفية هو الفرق بين التفكير والتقليد، وقد يصور هذا الآيات العديدة التى تندد بالذين إذا دعوا إلى ما أنزل الله (الموضوعية) قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا (السلفية).
وحتى الفكرة المتأصلة فى أذهان السلفية، والتى يكاد الإيمان بها يصل إلى المسلمات، وقد يقذف من ينكرها أو يخالفها بالكفر، فكرة أفضلية الصحابة على سائر البشر.. فى الحديث النبوى نفسه ما يخالفها عن أفضلية الذين آمنوا بالرسول ولم يروه على الذين آمنوا به ورأوه فى أحاديث أوردها الإمام أحمد بن حنبل فى مسنده مثل :
  1. عن أبى محيزيز قال قلت لأبى جمعة رجل من الصحابة رضى الله عنه حدثنا حديثا سمعته من رسول الله قال نعم أحدثكم حديثاً جيداً، تغدينا مع رسول ومعنا أبو عبيده بن الجراح فقال يا رسول هل أحد خير منا؟ أسلمنا معك وجاهدنا معك قال نعم قوم يكونون من بعدكم يؤمنون بى ولم يرنى.

  2. وعن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: قال رسول الله وددت أنى لقيت إخوانى فقال أصحاب النبى نحن إخوانك. قال أنتم أصحابى، ولكن إخوانى الذين آمنوا بى ولم يرنى.

  3. وعن أبى إمامة رضى الله عنه قال: قال رسول الله طوبى لمن آمن بى ورآنى مرة وطوبى لمن آمن بى ولم يرنى سبع مرات.
وهذا يدل على أن الأخلاف قد يكونون أفضل من الأسلاف وأن الذين لم يشاهدوا النبى وآمنوا به أفضل من الذين شاهدوه وآمنوا به.
فإذا قيل إن الرسول قال عن أصحابه "والذى نفس محمد بيده لو أن أحداً انفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه". فإن ذلك إنما كان لأن كفاحهم مع الرسول أدى لظهور ونجاح الإسلام، وهو فى النهاية يصب فى تيار المستقبلية والموضوعية.
ثالثاً : الحكمة :

أخيـراً نأتى إلى المكون الثالث وهو "الحكمة" هذه الكلمة الثمينة التى لم تظفر بالأهمية التى تستحقها رغم أن القرآن قرنها بالكتاب، وقرنها بما يعمله الرسول فقال ]وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَـابَ وَالْحِكْمَةَ[ {129 البقرة}.. ]وَيُعَلِّمُكُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ[ {151 البقرة}.. ]وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ[ {231 البقرة}.. ]إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ[ {164 آل عمران}.. وظن الشافعى أن الحكمة هى السُنة، كما ظن ابن رشد أنها الفلسفة، وأخطأ كل منهما فلا يمكن اعتبار الحكمة سُنة لأن القرآن ذكرها منسوبة إلى داوود، ولقمان وعيسى والنبيين، وتكلم عنها بصفة مجردة فقال ]يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلا أُوْلُوا الأَلْبَابِ[ {269 البقرة}..
]ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ[ {125 النحل}
فهذه الاستخدامات لا تجعلها سُنة كما لا تجعلها فلسفة كما ذهب إلى ذلك ابن رشد ولكنها العقل السديد والفطرة السليمة. والحدس الصحيح والثقافة والمعرفة على مصراعيها.. لأنها هى التى توصل فى النهاية أى "الحكم" السليم..
لقد كان الإسلام هو آخر الأديان السماوية نزولاً، لهذا كان عليه أن ينفتح لكل الديانات ولكل الثقافات حتى لا يصبح الإسلام صندوقا مغلقاً وقد أظهر القرآن أن الله تعالى لم يشأ أن يكون الناس أمة واحدة، وأوجب على المسلمين الاعتراف بالأنبياء السابقين جميعاً "لا نفرق بين أحد منهم" ووجه المسلمين لأن يقولوا ]آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ[. وأوصاهم ]لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ[. وأن الأمم والشعوب والأجيال كلها لم تسأل عما فعلتم وليس عليكم من حسابهم من شىء بما لا يدع أن كل النحل، بما فى ذلك المجوس والذين أشركوا هى ما سيفصل فيه الله تعالى يوم القيامة.. باختصار منح الإسلام بالنسبة للوقائع الذى كان أمامه الأبواب، فلم يوصدها عليه، أو عليها.. كما فتح الأبواب أيضاً بالنسبة للمستقبل – باعتباره آخر الديانات عندما قرر الحكمة مصدراً من مصادر الإسلام، وبهذا يمكن أن يدخل فى الإسلام كل ما هو صائب وسليم من الآراء التى تأتى من الشرق والغرب، وجعلها هى "ضالة المؤمن ينشدها إنى وجدها"..
إن الله تعالى الذى أرسل الرسول رحمة للعالمين وجعل الإسلام أداة لإنقاذ البشرية من الظلمات إلى النور وضع الضمانات وفتح الطريق أمام قوى التطور حتى لا ينغلق الإسلام أو يتجمد أو يتقوقع أو يتقولب... وإنما يكون مفتح الأبواب يتلقى الخير من كل مكان. لا يسأل عن المكان ولا الزمان ولا عن الشخص ولا يعنيه إلا المضمون.
إن تاريخ المسلمين فى إبان النهضة الإسلامية يثبت أنهم لم يترددوا فى ترجمة كتب الفلسفة اليونانية وكذلك بعض الكتب الهندية، وأنهم استخدموا المنطق فى التوحيد، والفقه، وأنهم نقلوا صفحات كاملة من التوراة فى بعض تفسيراتهم مما يمثل الحرية الفكرية أصدق تمثيل..
قرأت كلمة للكاتب اللبنانى المشهور أدونيس يعبر فيها عن ضيقه بأن يكون الإسلام ختام الرسالات جاء فيها أن ذلك يقوم على نظرة أو حرية تنفى غيرها، مدعية أنها هى وحدها تملك الحقيقة والمعرفة الأكثر كمالاً وشمولاً فى الكشف عن الحقيقة واعتبر أدونيس أن هذه الرؤية الدينية الوحدانية الإلهية تقوم فى صورتها الأكثر إحكاما ودقة على رسالتها التى هى الرسالة الإلهية الأخيرة وعلى أن النبى الذى نقلها أو بلغها هو آخر الأنبياء أو هو وفقا للمصطلح الإسلامى خاتم الأنبياء ويعنى ذلك برأى أدونيس أمرين أساسيين: الأول هو أن ليس للإنسان ما يعدله أو يضيفه إلى الرسالة الإلهية وليس على الإنسان إذا إلا أن يؤمن. أما الأمر الثانى فهو أن الله لم يعد لديه ما يقوله من حيث أنه أعطى كلامه الأخير لنبيه الأخير، فالمعرفة أعطيت مرة واحدة وإلى الأبد من قبل الله..
واعتبر أن لهذه الرؤية على الصعيد المعرفى – الوجودى أربع خصائص، تتجلى فى الممارسة: الأولى هى أن الحقائق قائمة ومعطاة مسبقا بشكل كامل ونهائى. الثانية أعطت هذه الحقائق أصوات نبوية لا تخطئ. الثالثة الكلمة أكثر واقعية من الشىء وهى نفسها الواقع. والرابعة الخطاب تبعا لذلك هو الذى يصنع الوجود. وأضاف أدونيس: بما أن الحقيقة هى الكلمة فهى وراء الإنسان جاهزة ومسبقة والفكر خاضع لهذه الأسبقية لأن دوره هو فى شرح النص وفى تفسيره وهكذا يصبح الواقع أثر الكلمة فى النفس أو فى العقل.
نقول أما أن الإسلام ختام الديانات، فهذه دقيقة مادية عملية وقد يجوز له أن يبدى فيها رأيا، ولكن هذا الرأى لن ينفى حقيقتها وواقعيتها، كما لا ينفى أنها تؤذن ببلوغ البشرية سن الرشد عندما جعلت معجزتها كتاباً، وهل كان أدونيس يتصور أن من الممكن أن يتصل عهد الأديان وأن يظهر اليوم دين جديد؟ والحرب على الأديان القائمة على أشدها وما يمكن أن يقال تعليقاً على كلامه هو أنه تصور لعرض الفقهاء للإسلام وليس عرض القرآن الكريم ولا الرسول، وأنه لم يفطن إلى الاعتراف بالحكمة ومضمون ودلالة ذلك لأنه يحقق له كل ما يريد من إضافة، بل يحثه عليها كما أن القرآن لا يعترف بالجنسيات، ولا بالقوميات، ولا يكل "الخندقات" التى تقيمها بعض النظم أو المذاهب أو الأفراد، فالحكمة لا جنسية لها، ولا يجوز أن يحملنا شنآن قوم على أن لا نعدل "اعدلوا هو أقرب للتقوى".
إن الذين يلحظون هذا الملحظ فى الإسلام يقولون كما قال جوته، وليس أدونيس.. "إذا كان هذا هو الإسلام فنحن مسلمون"...

The Quran Hadith and Modern Science

The Qur'an, Hadith and Modern Science



The last Chapter of mourice's book:
The Bible, The Qur'an and Science
The Holy Scriptures Examined In The Light Of Modern Knowledge
(image placeholder)
by
Dr. Maurice Bucaille
(image placeholder)
The Qur'an does not constitute the sole source of doctrine and legislation in Islam. During Muhammad's life and after his death, complementary information of a legislative nature was indeed sought in the study of the words and deeds of the Prophet.
Although writing was used in the transmission of hadith from the very beginning, a lot of this came also from the oral tradition. Those who undertook to assemble them in collections made the kind of enquiries which are always very taxing before recording accounts of past events. They nevertheless had a great regard for accuracy in their arduous task of collecting information. This is illustrated by the fact that for all of the Prophet's sayings, the most venerable collections always bear the names of those responsible for the account, going right back to the person who first collected the information from members of Muhammad's family or his companions.
A very large number of collections of the Prophet's words and deeds thus appeared under the title of Hadiths. The exact meaning of the word is 'utterances', but it is also customary to use it to mean the narration of his deeds.
Some of the collections were made public in the decades following Muhammad's death. Just over two hundred years were to pass before some of the most important collections appeared. The most authentic record of the facts is in the collections of Al Bukhari and Muslim, which date from over two hundred years after Muhammad and which provide a wider trustworthy account. In recent years, a bilingual Arabic/English edition has been provided by Doctor Muhammed Muhsin Khan, of the Islamic University of Madina.[102] Al Bukhari's work is generally regarded as the most authentic after the Qur'an and was translated into French (1903-1914) by Houdas and Marcais under the title Les Traditions Islamiques (Islamic Traditions). The Hadiths are therefore accessible to those who do not speak Arabic. One must, however, be wary of certain translations made by Europeans, including the French translation, because they contain inaccuracies and untruths which are often more of interpretation than of actual translation. Sometimes, they considerably change the real meaning of a hadith, to such an extent indeed that they attribute a sense to it which it does not contain.
As regards their origins, some of the hadiths and Gospels have one point in common which is that neither of them was compiled by an author who was an eyewitness of the events he describes. Nor were they compiled until some time after the events recorded. The hadiths, like the Gospels, have not all been accepted as authentic. Only a small number of them receive the quasi-unanimous approval of specialists in Muslim Tradition so that, except al-Muwatta, Sahih Muslim and Sahih al-Bukhari, one finds in the same book, hadiths presumed to be authentic side by side with ones which are either dubious, or should be rejected outright.
In contrast to Canonic Gospels which though questioned by some modern scholars but which have never been contested by Christian high authorities, even those hadiths that are most worthy to be considered as authentic have been the subject of criticism. Very early in the history of Islam, masters in Islamic thought exercised a thorough criticism of the hadiths, although the basic book (The Qur'an) remained the book of reference and was not to be questioned.
I thought it of interest to delve into the literature of the hadiths to find out how Muhammad is said to have expressed himself, outside the context of written Revelation, on subjects that were to be explained by scientific progress in following centuries. Al-though Sahih Muslim is also an authentic collection, in this study 1 have strictly limited myself to the texts of the hadiths which are generally considered to be the most authentic, i.e. those of Al Bukhari. I have always tried to bear in mind the fact that these texts were compiled by men according to data received from a tradition which was partially oral and that they record certain facts with a greater or lesser degree of accuracy, depending on the individual errors made by those who transmitted the narrations. These texts are different from other hadiths which were transmitted by a very large number of people and are unquestionably authentic.[103]
I have compared the findings made during an examination of the hadiths with those already set out in the section on the Qur'an and modern science. The results of this comparison speak for themselves. The difference is in fact quite staggering between the accuracy of the data contained in the Qur'an, when compared with modern scientific knowledge, and the highly questionable character of certain statements in the hadiths on subjects whose tenor is essentially scientific. These are the only hadiths to have been dealt with in this study.
Hadiths which have as their subject the interpretation of certain verses of the Qur'an sometimes lead to commentaries which are hardly acceptable today.
We have already seen the great significance of one verse (sura 36, verse 36) dealing with the Sun which "runs its course to a settled place". {وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ }يس38 Here is the interpretation given of it in a hadith: "At sunset, the sun . . . prostrates itself underneath the Throne, and takes permission to rise again, and it is permitted and then (a time will come when) it will be about to prostrate itself . . . it will ask permission to go on its course . . . it will be ordered to return whence it has come and so it will rise in the West . . ." (Sahih Al Bukhari). The original text (The Book of the Beginning of the Creation, Vol. IV page 283, part 54, chapter IV, number 421) is obscure and difficult to translate. This passage nevertheless contains an allegory which implies the notion of a course the Sun runs in relation to the Earth: science has shown the contrary to be the case. The authenticity of this hadith is doubtful (Zanni).
Another passage from the same work (The Book of the Beginning of the Creation, vol. IV page 283, part 54, chapter 6, number 430) estimates the initial stages in the development of the embryo very strangely in time: a forty-day period for the grouping of the elements which are to constitute the human being, another forty days during which the embryo is represented as 'something which clings', and a third forty-day period when the embryo is designated by the term 'chewed flesh'. Once the angels have intervened to define what this individual's future is to be, a soul is breathed into him. This description of embryonic evolution does not agree with modern data.

3208 - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الرَّبِيعِ حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَهْوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ قَالَ « إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِى بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ، ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ مَلَكًا ، فَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ ، وَيُقَالُ لَهُ اكْتُبْ عَمَلَهُ وَرِزْقَهُ وَأَجَلَهُ وَشَقِىٌّ أَوْ سَعِيدٌ . ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ الرُّوحُ ، فَإِنَّ الرَّجُلَ مِنْكُمْ لَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ إِلاَّ ذِرَاعٌ ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ كِتَابُهُ ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ ، وَيَعْمَلُ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّارِ إِلاَّ ذِرَاعٌ ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ ، فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ » . أطرافه 3332 ، 6594 ، 7454 تحفة 9228
Whereas the Qur'an gives absolutely no practical advice on the remedial arts, except for a single comment (sura 16, verse 69) on the possibility of using honey as a therapeutic aid (without indicating the illness involved), the hadiths devote a great deal of space to these subjects. A whole section of Al Bukhari's collection (part 76) is concerned with medicine. In the French translation by Houdas and Marcais it goes from page 62 to 91 of volume 4, and in Doctor Muhammad Muhsin Khan's bilingual Arabic/English edition from page 395 to 452, of volume VII. There can be no doubt that these pages contain some hadiths which are conjectural (Zanni), but they are interesting as a whole because they provide an outline of the opinions on various medical subjects that it was possible to hold at the time. One might add to them several hadiths inserted in other parts of Al Bukhari's collection which have a medical tenor.
This is how we come to find statements in them on the harms caused by the Evil Eye, witchcraft and the possibility of exorcism; although a certain restriction is imposed on the paid use of the Qur'an for this purpose. There is a hadith which stresses that certain kinds of date may serve as protection against the effects of magic, and magic may be used against poisonous snakebites.
We should not be surprised however to find that at a time when there were limited possibilities for the scientific use of drugs, people were advised to rely on simple practices; natural treatments such as blood-letting, cupping, and cauterization, head-shaving against lice, the use of camel's milk and certain seeds such as black cumin, and plants such as indian Qust. It was also recommended to burn a mat made of palm-tree leaves and put the ash from it into a wound to stop bleeding. In emergencies, all available means that might genuinely be of use had to be employed. It does not seem-a priori-to be a very good idea, however, to suggest that people drink camel's urine.
It is difficult today to subscribe to certain explanations of subjects related to various illnesses. Among them, the following might be mentioned:--the origins of a fever. there are four statements bearing witness to the fact that "fever is from the heat of hell" (Al Bukhari, The Book of Medicine, vol. VII, chapter 28, page 416).
5723 - حَدَّثَنِى يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ حَدَّثَنِى ابْنُ وَهْبٍ قَالَ حَدَّثَنِى مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ فَأَطْفِئُوهَا بِالْمَاءِ » . قَالَ نَافِعٌ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَقُولُ اكْشِفْ عَنَّا الرِّجْزَ . طرفه 3264 - تحفة 8369
5725 - حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى حَدَّثَنَا يَحْيَى حَدَّثَنَا هِشَامٌ أَخْبَرَنِى أَبِى عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ فَابْرُدُوهَا بِالْمَاءِ » . طرفه 3263 - تحفة 17326
5726 - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَسْرُوقٍ عَنْ عَبَايَةَ بْنِ رِفَاعَةَ عَنْ جَدِّهِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ « الْحُمَّى مِنْ فَوْحِ جَهَنَّمَ ، فَابْرُدُوهَا بِالْمَاءِ » . طرفه 3262 - تحفة 3562
--the existence of a remedy for every illness: "No disease God created, but He created its treatment" (Ibid. chapter 1, page 396).


This concept is illustrated by the Hadith of the Fly. "If a fly falls into the vessel of any of you, let him dip all of it (into the vessel) and then throw it away, for in one of its wings there is a disease and in the other there is healing (antidote for it). i.e. the treatment for that disease" (Ibid. chapter 15-16, pages 462-463, also The Book of the Beginning of Creation part 54, chapters 15 & 16.)
--abortion provoked by the sight of a snake (which can also blind). This is mentioned in The Book of the Beginning of Creation, Vol. IV(chapter 13 and 14, pages 330 & 334).
‏حدثنا ‏ ‏عبد الله بن محمد ‏ ‏حدثنا ‏ ‏هشام بن يوسف ‏ ‏حدثنا ‏ ‏معمر ‏ ‏عن ‏ ‏الزهري ‏ ‏عن ‏ ‏سالم ‏ ‏عن ‏ ‏ابن عمر ‏ ‏رضي الله عنهما ‏ ‏أنه سمع النبي ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏يخطب على المنبر يقول ‏ ‏اقتلوا الحيات واقتلوا ذا ‏ ‏الطفيتين ‏ ‏والأبتر ‏ ‏فإنهما يطمسان البصر ويستسقطان الحبل قال ‏ ‏عبد الله ‏ ‏فبينا أنا أطارد حية لأقتلها فناداني ‏ ‏أبو لبابة ‏ ‏لا تقتلها فقلت إن رسول الله ‏ ‏صلى الله عليه وسلم ‏ ‏قد أمر بقتل الحيات قال إنه نهى بعد ذلك عن ذوات البيوت وهي العوامر
http://hadith.al-islam.com/Display/Display.asp?Doc=0&Rec=5123
--haemorrhages between periods. The Book of Menses (Menstrual Periods) Vol. VI, part 6, pages 490 & 495 contains two hadiths on the cause of haemorrhages between periods (chapters 21 & 28). They refer to two women: in the case of the first, there is a description (undetailed) of the symptoms, with a statement that the haemorrhage comes from a blood vessel; in the second, the woman had experienced haemorrhages between periods for seven years, and the same vascular origin is stated. One might suggest hypotheses as to the real causes of the above, but it is not easy to see what arguments could have been produced at the time to support this diagnosis. This could nevertheless have been quite accurate.
--the statement that diseases are not contagious. Al Bukhari's collection of hadiths refers in several places (chapters 19, 25, 30, 31, 53 and 54, Vol. VII, part 76, of the Book of Medicine) to certain special cases, e.g. leprosy (page 408), plague (pages 418 & 422), camel's scabies (page 447), and also provides general statements. The latter are however placed side by side with glaringly contradictory remarks: it is recommended, for example, not to go to areas where there is plague, and to stay away from lepers.
54 - باب لاَ عَدْوَى . ( 54 )
5772 - حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرٍ قَالَ حَدَّثَنِى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَنِى سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَحَمْزَةُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ - رضى الله عنهما - قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « لاَ عَدْوَى ، وَلاَ طِيَرَةَ ، إِنَّمَا الشُّؤْمُ فِى ثَلاَثٍ فِى الْفَرَسِ ، وَالْمَرْأَةِ ، وَالدَّارِ » . أطرافه 2099 ، 2858 ، 5093 ، 5094 ، 5753 - تحفة 6982 ، 6699
5707 - وَقَالَ عَفَّانُ حَدَّثَنَا سَلِيمُ بْنُ حَيَّانَ حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مِينَاءَ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « لاَ عَدْوَى وَلاَ طِيَرَةَ وَلاَ هَامَةَ وَلاَ صَفَرَ ، وَفِرَّ مِنَ الْمَجْذُومِ كَمَا تَفِرُّ مِنَ الأَسَدِ » . أطرافه 5717 ، 5757 ، 5770 ، 5773 ، 5775 - تحفة 13377
5756 - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « لاَ عَدْوَى وَلاَ طِيَرَةَ ، وَيُعْجِبُنِى الْفَأْلُ الصَّالِحُ ، الْكَلِمَةُ الْحَسَنَةُ » . طرفه 5776 - تحفة 1358
5776 - حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا ابْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ سَمِعْتُ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رضى الله عنه - عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « لاَ عَدْوَى ، وَلاَ طِيَرَةَ ، وَيُعْجِبُنِى الْفَأْلُ » . قَالُوا وَمَا الْفَأْلُ قَالَ « كَلِمَةٌ طَيِّبَةٌ » . طرفه 5756 - تحفة 1259
Consequently, it is possible to conclude that certain hadiths exist which are scientifically unacceptable. There is a doubt surrounding their authenticity. The purpose of reference to them lies solely in the comparison that they occasion with the verses of the Qur'an mentioned above: these do not contain a single inaccurate statement. This observation clearly has considerable importance.
One must indeed remember that at the Prophet's death, the teachings that were received from this fell into two groups:--firstly, a large number of Believers knew the Qur'an by heart because, like the Prophet, they had recited it many, many times; transcriptions of the text of the Qur'an already existed moreover, which were made at the time of the Prophet and even before the Hegira[104].
-secondly, the members of his following who were closest to him and the Believers who had witnessed his words and deeds had remembered them and relied on them for sUPport, in addition to the Qur'an, when defining a nascent doctrine and legislation.
In the years that were to follow the Prophet's death, texts were to be compiled which recorded the two groups of teachings he had left. The first gathering of hadiths was performed roughly forty years after the Hegira, but a first collection of Qur'anic texts had been made beforehand under Caliph Abu Bakr, and in particular Caliph Uthman, the second of whom published a definitive text during his Caliphate, i.e. between the twelfth and twenty-fourth years following Muhammad's death.
What must be heavily stressed is the disparity between these two groups of texts, both from a literary point of view and as regards their contents. It would indeed be unthinkable to compare the style of the Qur'an with that of the hadiths. What is more, when the contents of the two texts are compared in the light of modern scientific data, one is struck by the oppositions between them. I hope I have succeeded in showing what follows:--on the one hand, statements in the Qur'an which often appear to be commonplace, but which conceal data that science was later to bring to light.
--on the other hand, certain statements in the hadiths which are shown to be in absolute agreement with the ideas of their times but which contain opinions that are deemed scientifically unacceptable today. These occur in an aggregate of statements concerning Islamic doctrine and legislation, whose authenticity is unquestioningly acknowledged.
Finally, it must be pointed out that Muhammad's own attitude was quitedifferent towards the Qur'an from what it was towards his personal sayings. The Qur'an was proclaimed by him to be a divine Revelation. Over a period of twenty years, the Prophet classified its sections with the greatest of care, as we have seen. The Qur'an represented what had to be written down during his own lifetime and learned by heart to become part of the liturgy of prayers. The hadiths are said, in principle, to provide an account of his deeds and personal reflections, but he left it to others to find an example in them for their own behaviour and to make them public however they liked: he did not give any instructions.
In view of the fact that only a limited number of hadiths may be considered to express the Prophet's thoughts with certainty, the others must contain the thoughts of the men of his time, in particular with regard to the subjects referred to here. When these dubious or inauthentic hadiths are compared to the text of the Qur'an, we can measure the extent to which they differ. This comparison highlights (as if there were still any need to) the striking difference between the writings of this period, which are riddled with scientific inaccurate statements, and the Qur'an, the Book of Written Revelation, that is free from errors of this kind.[105]